تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعدت أقارن بين ما حدست وما وجدت، فبسمت وعجبت!

وبعد أن انتهى التبسم والعجب دق جرس التليفون. - فلان؟ - نعم. - وأنا فلان. - أهلا وسهلا. - لي ولد نبيه جدا، ولكن خانه الامتحان فتأخر في الترتيب، ولم يأخذ النصاب الذي يستحق به المجانية، وأريده مجانا.

وتليفون ثان وثالث ورابع وخامس، حتى وضعت حدا للتليفون.

ثم ذهبت إلى محل عملي.

فهذا فلان يود أن يوظف، وهذا يود أن ينتقل، وهذا يود أن يتخطى ابنه القوانين الموضوعة في السن أو المجانية أو في نصاب الدرجات. فأما العمل وكيف يرقى وكيف يحسن فلم ينله من الزمن إلا قليل.

وعدت مصدوعا واسترحت قليلا، ونزلت لعمل آخر، فإذا هو من جنس العمل الأول.

وزرت يوما صديقا فإذا حاله أسوأ من حالي: غرفة تملأ وتفرغ، ثم تملأ ثم تفرغ، وكلهم في المطالب متشابه. •••

هذا موسم الرجاء «في المعارف»، ولكل وزارة وكل مصلحة موسم، فوزارة العدل لها موسم كهذا في كل حركة قضائية، ووزارة الأشغال في معرض الأعمال، وهكذا.

رحماك اللهم، أين نجد مع هذا كله أنفسنا؟ وأين يجد الموظفون أنفسهم؟ وأين يجدون أوقاتهم لأعمالهم؟

ما معنى هذا كله؟

معناه أن الناس يفهمون أن ليس في البلد قانون محترم، ولا قواعد مرعية، ولا عدل، ولا حق، ولا جد في تنفيذ عمل، ولا همة في تسيير الأمور، وأن العصا السحرية التي تفعل كل ذلك هي الرجاء والرجاء وحده، فهو الذي يستطيع أن يعطي من لا يستحق ويحرم المستحق، وهو الذي يؤخر من حقه التقديم ويقدم من حقه التأخير، وهو الذي ينهي العمل في لحظة، وبغيره ينام سنين.

معناه ضياع زمن المرجو في مقابلات وزيارات وتحيات، وضياع زمن الراجي في «اللف» على أصحاب الأعمال ومن بيدهم زمام الأمور، وإهمال ما عهد إليه من عمل.

معناه أن مقاييس العدالة والحق مقاييس ضائعة، ومقاييس الخلق لا قيمة لها، وأن المقاييس الصحيحة النفاذة هي مقاييس الجاه والرجاء والنفوذ والسلطان؛ فهي التي تجعل غير الكفء كفؤا، وغير الصالح صالحا. ونتيجة هذا - لا محالة - إهمال الكفء وحرمان الصالح.

شيء من شيئين: إما أن يكون هذا صحيحا فالراجون معذورون، واللوم كله يقع على من بيدهم الأمور؛ فقد أضاعوا المقاييس الصحيحة، وأحلوا محلها المقاييس الزائفة، وأهملوا العدل والحق، وأحلوا محلهما الجاه والرجاء، فعرف الناس الطريق الذي يؤدي للغرض فسلكوه، والمقدمات التي توصل للنتيجة فاتبعوها، ولا لوم عليهم في ذلك، فمن السخف أن تكلفهم السير في طريق غير مؤد إلى غرض.

وفي هذه الحالة كان يجب مصارحة الناس بالحقائق، وتسمية الأشياء بأسمائها، وعدم الخداع بوضع قوانين ولوائح وتعليمات وقيود وشروط، والجهر بأن ليس هناك سبيل للتنفيذ إلا سبيل الرجاء.

وإما ألا يكون الأمر كذلك، وأنه يجري حسب العدل والحق، فيجب أن يفهم الناس ذلك بالقول والعمل، وألا يسمع منهم رجاء، إلا شكوى من عدم تحقيق العدل وتنفيذ الحق.

لقد عرفنا من الناس المهارة في هذا الباب، والحس الدقيق في شئونه، فهم يكثرون الرجاء حيث تسمع الآذان رجاءهم، وحيث تتأثر بتوسلاتهم، ويقلونه حيث تصم الآذان وتغلق الأبواب وتجهم الوجوه عند طلبهم ما ليس بحق وما لا ينطبق على قانون أو عدل.

أؤكد أن أكثر من نصف أوقات رؤساء المصالح وسائر الموظفين ضائع في مثل هذه التوافه من الأمور، ولو سد هذا الباب لاستفدنا فائدة مزدوجة: تفرغ الموظف لعمله الأساسي حتى يجيده ويتقنه، وشعور الناس والموظفين باحترام العدالة، وأن الرجاء لا يقدم المسألة ولا يؤخرها، واطمئنان ذي الجاه وعديم الجاه إلى أن حقه واصل إليه لا محالة.

وذلك لا يكون إلا بدروس قاسية من الموظفين، يحترمون فيها العدل مهما كانت نتائجه، ويلبون فيها صوت الضمير مهما أغضب، ويشمئزون ممن يحاول أن يميلهم عن الحق مهما كان ذا جاه وسلطان.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٥٧