تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا شك أن العدل مر، والحق صبر، ولكنه أحلى عند الرجل النبيل من القول المعسول والتصرف المزيف.

إن ذيوع الترجي في الأمة علامة الخراب في أخلاقها، فالرجاء يشيع في الراجي ذل السؤال، ويشيع في المرجو صلف المتصدق، وكبرياء المحسن لغير وجه الله، وهو يبث في الراجي والمرجو معا الاستهزاء بالعدل والسخرية بالحق، ويقلب المسألة من حق وواجب إلى علاقة شخصية، هي علاقة المستجدى منه، أو علاقة المدل بجاهه على من لا جاه له.

لا بد أن يفهم الناس أن كل رئيس مصلحة، وكل من بيده أمر من أمور الناس قاض، له حرمة القضاء، وله الحق أن يطلب من الناس أن يؤمنوا بنزاهته، فكما لا يصح أن يرجى القاضي في قضية معروضة عليه، لا يصح أن يرجى أولو الأمر فيما بين أيديهم من أعمال.

وواجب أن نوجه الطلبين في وقت واحد، فنطلب من أصحاب الحاجات أن يكفوا عن رجائهم، ونطلب من الموظف أن يعمل ما يفهم الناس أن الرجاء لا يجدي، وأن الحق بطبيعته نافذ والعدل محترم، والعمل سائر إلى نهايته.

كان الناس ولا يزالون يعدون من المثل العليا للرجل الطيب أن يمضي أكثر أوقاته في قضاء الحاجات، فهو يتلقى في صباحه ومسائه الوافدين والمترددين، هذا يطلب وظيفة، وهذا يطلب نقله إلى مصر، وهذا يطلب إلحاق ابنه بمدرسة، إلخ، ثم يستقل عربته ويدور على المصالح، وينتقل من وزارة العدل إلى وزارة المعارف إلى وزارة الأشغال وهلم جرا، فإذا جاء إلى بيته استراح قليلا، ثم استقبل في بيته في المساء من قابلوه في الصباح ليخبرهم بنتيجة مساعيه، وليستقبل غيرهم بمساعيهم الجديدة، وكانوا يسمون مثل هذا «كعبة القصاد » و«محط الآمال» إلى غير ذلك من الأوصاف.

وكان الناس يقيسون النائب في البرلمان بمقدار قضائه هذه الأعمال، فمن كان أكثر تقبلا للرجاء، وأكثر مسعى في تحقيقه، وأعظم جاها عند من يرجوهم، فهو خير نائب وإلا فلا.

ولكن الأمة إذا رقيت ينبغي أن تغير وجهة نظرها في هذا وذاك، يجب ألا تعد رجلا طيبا من يقبل كل رجاء، ويعين على كل مطلب، إنما هو رجل طيب إذا اقتصر في قبول الرجاء على أحد أمرين: إما رجاء في ماله الخاص، وإما رجاء قد بني على درس، وتحقق من مظلمة يرى من الواجب رفعها وإحلال العدل محلها، وأما غير هذين فتخريب للقانون، وإهدار للأخلاق، وتحطيم للعدالة، ومما يؤسف له أن أكثر الرجاء من هذا النوع الأخير! حتى لقد يبلغ ببعضهم أن يرجو في إنجاح ساقط في الامتحان، أو عفو عن مجرم، أو تعيين آخر شخص في الامتحان وترك الأول، أو إعطاء صدقة لغني وتفضيله على فقير، أو نحو ذلك من ضروب الإجرام، وليس هذا يصح أن يسمى «كعبة القصاد»، ولكنه «عون المجرمين».

والمثل الأعلى للنائب ليس الذي يحقق مطالب الناخبين مهما ساءت، ويسعى على أبواب المصالح للرجاء في كل ما هب ودب، إنما هو من خصص أكبر مجهوده لدراسة المصالح العامة للأمة، والمصالح العامة لدائرته، فإن بقي في زمنه فضل أو في مجهوده بقية، فالرجاء في رفع الظلم عمن ظلم، والإعانة على إيصال العدل لمن لم يصل إليه العدل.

وبودي لو بطل الرجاء كله واقتصر الأمر على مطالبة الناس بحقوقهم، ولو كان الأمر بيدي لأمرت أن يوضع على باب حجرة كل موظف لوحة كتب فيها «ممنوع الرجاء» كتلك التي يكتب فيها «ممنوع البصق» لو تنفع اللوحات!

| نداء الباعة

امتازت مصر - فيما امتازت به - بنداء الباعة، فقد زرت مدنا شرقية ومدنا غربية، فلم أرها تحفل بالنداء على المبيع كما حفلت القاهرة، إذ جعلته فنا، وأدخلت فيه من أنواع المحسنات ما لم يتهيأ لغيرها.

من ذلك أنها أدخلت فيه فن البلاغة، فملأته بالاستعارات والكنايات والتشبيهات، حتى أصبحت هذه في كثير من الأحوال تحل محل الاسم الحقيقي للأشياء، فمثلا «بيض اليمام» هو العنب، و«قلل الشربات» هي الكمثرى، و«بير العسل» زنبيل البلح، والبصل كالرمان، والفجل كاللوبيا، وكيزان العسل نوع من التين، وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٥٨