تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غريبة هي اللغة، لم تعبأ بالعظم والسعة، ولم تعبأ بامتداد اللانهاية، فأرادت أن تنتقم من هذه السعة وهذه اللانهاية، فاختزلت اللفظ الدال عليها اختزالا، طولت ومططت في الحرباء - مثلا - وهي الدويبة الحقيرة ومنحتها خمسة حروف كاملة، ومدت كلمتها مدا لا يتناسب وخلقتها، وأتت إلى الممدود بطبيعته فقصرته، هذا البحر الفسيح إلى أبعد مدى، العميق إلى أبعد مدى، المملوء بالأعاجيب إلى أبعد مدى، ضنت عليه بألفاظها وامتدادها، فوضعت له كلمة مجزوءة مخطوفة من ثلاثة حروف فقط، وهكذا فعلت في «النفس» العميقة إلى ما لا نهاية، المتقلبة الأشكال والألوان إلى ما لا نهاية، وقل مثل ذلك في العقل والأفق وغير ذلك.

لا. لا، إنها كانت ماهرة كل المهارة، فأما ما حصرته فسمته في سهولة ويسر، وأما ما لم تحصره، فلم تقف أمامه طويلا تقيسه وتقدره وتعيا بتسميته، فليس لها من الزمن والفراغ ما يمكنها من القياس والتقدير، وإنما وضعت بطاقة صغيرة على جزء منه صغير ليدل صغيره على كبيره، وجزؤه على كله، كما يفعل المؤلف في عنوان الكتاب، أو كما يفعل التاجر في إلصاق بطاقة باسم البضاعة ونوعها على ثوب من الصوف، طويل ملفوف، ثم جاء الخيال فارتبط بالكلمة وأكمل نقصها وقوى عجزها ومد قصرها. •••

في حضرة اللانهاية ومناظرها يشعر الإنسان بالتسامي والرقي، ويشعر بلذة التغير من حياة مادية كلها أكل وشرب وشهوات، وتشع عليه اللانهاية من نفسها فيحن إلى اللامادية، ويسبح في التجرد، ويحتقر ما هو متقلب فيه أثناء حياته اليومية، وتلمع في نفسه لمعات برق مضيئة يود لو طالت، ولكنها لا تطول، فسرعان ما تجذبه أرضيته إلى الأرض، وماديته إلى المادة.

في هذه المواقف تتحرك العاطفة الدينية، فهذه اللانهاية الصغرى تذكر الإنسان باللانهاية الكبرى، وهذه الأزلية الأبدية المحدودة نوعا ما، تذكر بالأزلية الأبدية المطلقة، وهذه ضعة الإنسان أمام جلال البحر والشمس والأفق وما إليها، تذكره بضعة هذه كلها أمام خالقها، وتجرد النفس أمام هذه المناظر يطمعها في الخلود، على حين أن انغماسها في المادة يبعث فيها الشره؛ لتنعم أكثر ما يمكن من النعيم قبل أن يدركها الموت، ثم هذا الغموض في هذه المناظر يذكرنا بالموضوعات الدينية التي دقت عن الفكر وسبح فيها الخيال، كالنعيم المقيم، والعذاب الدائم، والجنة والنار، واللوح والكرسي والعرش، وما إلى ذلك.

أمام هذه المناظر الجليلة، والمناظر الجميلة، والمناظر اللانهائية، تنبعث صرخة من أعماق القلب: «هنا موضع سجود».

تذكرنا بهذه اللانهاية كل حواسنا، فنشعر بها في رؤيتنا للسماء ولمعان نجومها، والبحر وتكسرات أمواجه المتتابعة المتلاصقة، ونشعر بها عند دقات الساعة في سكون الليل، وفي الموسيقى الجميلة السامية العلوية، وندركها في حضرة الله في الصلاة الحقة، ونحسها في رؤية الموت.

وهي في كل أشكالها وأوضاعها رهيبة، لا يأنس إليها إلا من مرن عليها، وحاول خوض غمارها ثم ارتد، وما زال بها حتى آنسها وأنس بها؛ وهي رهيبة لأنها مجهولة، والمجهول مخيف، وهي عظيمة والعظيم مرهوب، وهي غامضة والغموض ظلام، والظلام مرعب؛ وهي جليلة لأنها تشعر الإنسان بحقارته، وبقصر عمره في جانب طول عمرها، وبضعفه بجانب قوتها.

لذلك هرب الإنسان من اللانهاية إلى التحديد، فسكن إلى المنزل؛ لأنه يأويه من الفضاء، وأنس بالمسجد يحدد شيوعه ويحصر شروده، وحصر نفسه في دوائر محدودة فرارا من اللامحدودة، حتى في عقله قد حكمه بالتعريفات؛ لئلا يسبح في الخيال، وجسم المعاني، تمسك بالعادات والشعائر والتقاليد هربا من اللامحدود واستئناسا بالمحدود. •••

فإذا نعمنا بك أيها الفضاء، وأيتها السماء، وأيها البحر في تموجاته، وأيها الأفق بحمرته، وأيتها الشمس في دمائها، فلذة التغير، ولذة إلى حين، ثم نعود سيرتنا الأولى نعيش في الحدود، ونبحث عن الحدود، ونألف الحدود. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٥٥