ثم لهم طريقة في التصحيح ليست صحيحة، فهم لا يقومون الورقة ككل، ولكن يجزئونها جزيئات صغيرة ثم يضعون درجة على كل جزيء، فيحدث أن الطالب يأتي بأخطاء شنيعة تدل على الجهل التام ومع ذلك ينجح، حتى يخيل إلي أن التلميذ إذا أعرب «في البيت» في حرف جر والبيت مفعول به منصوب لأعطوه 50٪ على إعرابه «في» وخطئه في إعرابه «البيت».
أنا كفيل بأن سنة واحدة توضع فيها ورقة الامتحان عملية أكثر منها نظرية، ويشدد فيها في التصحيح شدة حازمة تساوي الشدة في تصحيح الرياضة واللغة الأجنبية، كافية في أن يوجه الطلبة عنايتهم الكبرى للغة العربية، فيزول الضعف وتحسن النتيجة.
ولا ننسى أن التفتيش بعد ذلك له أثره، فلو حدد الغرض منه لبانت قوته الحالية أو ضعفه، فليس المفتش جاسوسا يضبط الجريمة، ولا هو عداد يعد موضوعات الإنشاء والتمرينات، ولا غرضه الأول أن يقول: إن كلمة كذا ليست في القاموس، كلا ولا غرضه الأول أن يكتب عن المدرس إنه جيد أو ممتاز أو ضعيف. إنما مهمته الأولى حسن توجيه المعلمين إلى تحقيق الغرض من دراسة اللغة العربية والوصول بالطلبة والمدرسين والكتب والمناهج إلى أرقى حد مستطاع، وبمقدار تحقيق هذا الغرض أو عدم تحقيقه يكون الحكم على قيمة التفتيش.
إذا أصلح المعلم والمنهج والامتحان والتفتيش صلحت اللغة العربية في المدارس، وهذا هو العلاج الوحيد الصحيح، أما عداه فعلاج غير حاسم ولا ناجع.
| من وحي البحر أيضا
رأس البر
من نهاية «اللسان» في «رأس البر» جلست أرقب اللانهاية في البحر.
كان الوقت وقت غروب الشمس.
ولا أدري لماذا كلما رأيت غروب الشمس في البحر، وددت لو خليت جسمي، وحللت بنفسي في ملك ذي أجنحة، أو طائر قوي يصل بي إلى حيث هذا المنظر بشمسه وشفقه، فأحتضنه وأتحد به، وأفنى فيه كما يفنى الفراش في النار، وأشعر بشعوره معنى الأزلية والأبدية، وأشهد في مرآته أحداث الزمان، وتقلبات العصور.
إيه هذا المنظر! لقد شهدت خلق آدم، وحوار إبليس، وشهدت الإنسان الأول في سذاجته، ومغاراته وكهوفه، وشهدت كل خطوة يخطوها في تقدمه، فيعثر أحيانا، ويهتدي بعد أن يلج به العثار أحيانا، وشهدته يبني الحضارة ويهدمها ليبني خيرا منها، شهدت المدن تتكون شيئا فشيئا، وتشاد عليها الحضارات شيئا فشيئا، شهدت الأهرام وهي تبنى، ورمسيس وهو يحكم، وبابليون وهي تنشأ، وشهدت ميلاد كل مدينة، وموت كل مدينة، ونظرت إلى العلم وهو في مهده، والفلسفة وهي في بدئها، ثم ريعانها، وشهدت كل الأحداث على هذه الهنة الصغيرة التي تسمى «الأرض»، ولم تكن كل هذه المشاهدات إلا في لحظاتك الخيرة من عمرك الطويل الأزلي؛ هزأت بها كلها لأنك شاهدتها وليدة صغيرة، فلم توقرها كبيرة، شهدتها كلها وأنت شيخ هرم، فماذا رأيت في صباك وشبابك وكهولتك إذا كان كل هذا قد رأيته في لحظة من شيخوختك، على أنك ما شخت وما هرمت، فأنت في شيخوختك أنت في صبوتك، وأنت في شبابك لم ينل منك كر الغداة ومر العشي؛ لأنك أنت فاعل الغداة، وفاعل العشي.
وعلى الجملة لم يكن تاريخ الإنسان إلا جزءا هينا من تاريخك، بل ما تاريخ الأرض كلها منذ بدء تكوينها إلى اليوم إلا خطفة البرق من حياتك الطويلة، وما الأرض والإنسان إلا لون واحد من ألوانك التي لا عداد لها، ومنحة من منحك التي لا تحصى، وفوق هذا وذاك، سبحان ربي وربك. •••
هذا الإنسان المتناهي يعجب بهذا البحر اللامتناهي، وهذا الأفق اللامتناهي أيضا، ولكن. لا، ليس الإنسان متناهيا محدودا، فإن تناهى طوله وعرضه وحد مدى بصره، فله الخيال الذي لا يتناهى، والذي يطابق الأفق والبحر والسماء وما إلى ذلك مما لا يتناهى، بل قد يلف الخيال كل هذه الأشياء، ولا يزال فضفاضا واسعا يسع أمثالها وأمثالا من أمثالها.
وفي هذا الجسم المحدود نفس لا محدودة، أعمق من هذا البحر، وأرفع من هذه السماء، وأغمض مما وراء هذا الأفق، وأعجب مما يقع عليه البصر أو يحيط به الخيال، تهيج كما يهيج هذا البحر، وتهدأ كما يهدأ، وتحوي الدرر والأصداف كما يحوي، وتتكسر موجاتها كما تتكسر موجاته، وترغى وتزبد كما يرغى ويزبد، وتطالعك بالجمال والعنف كما يطالعك بالجمال والعنف، وهي في كلياتها أزلية أبدية أكثر مما هو أزلي وأبدي، وعزت شمائلها وخصائصها على العلم أكثر مما عز، فلما توافقا في هذه الصفات تآلفا. •••