تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن تكون الدراسة فيها مقصورة على المواد العلمية، وبعد الانتهاء يدرس المتخرج سنة أو سنتين أساليب التربية في معهد التربية. (4)

أن يعاد إنشاء تجهيزية دار العلوم لتغذي دار العلوم، ويعاد تنظيمها على خير مما كانت، فيتوسع فيها في الدراسة الدينية من قرآن وتفسير وحديث وما إلى ذلك، وتدرس فيها لغة أجنبية، حتى يخرج الطالب منها مساويا للطالب في المدارس الثانوية الأخرى ومتفوقا في اللغة العربية والدين الإسلامي، وخريجو هذه المدرسة يغذون دار العلوم وقسم الفلسفة في كلية الآداب ونحو ذلك، ويكون في دار العلوم دروس في اللغة الأجنبية أيضا تتمم ما درسه الطلبة في المدرسة الثانوية. (5)

تكون الدراسة في دار العلوم دراسة قاسية شديدة دقيقة، في الانتقال وفي الامتحان. فلا يسمح لضعيف ولا متوسط الكفاية أن يخرج من هذه المدرسة؛ لأنها ستكون - على ما أعتقد - أفعل مدرسة في رقي الأمة وتكوين عقليتها والنهوض بحياتها.

وهذا هو في نظري أهم علاج لضعف اللغة العربية، فالحصة من هذا المعلم الكفء خير من مئة حصة من معلم غير كفء. •••

ويلي هذا في الإصلاح برامج التعليم؛ فمناهج اللغة العربية - وخاصة في المدارس الثانوية - تحتاج إلى ثورة تقلبها رأسا على عقب، تبسط فيها المصطلحات، وتحذف منها الأبواب العقيمة ويقتصر فيها على ما ينتج استقامة اللسان والقلم، ويترك ما عدا ذلك للخاصة.

ولو ألف في وزارة المعارف هيئة فنية «مراقبة» للبرامج ووضعها وطريقة تنفيذها لكانت أفضل من كل المراقبات الأخرى؛ لأن هذا هو العمل الأساسي للوزارة وما عداه تبع له.

وليس عمل برنامج اللغة العربية في المدارس الابتدائية والثانوية من الأمور السهلة، فهو يحتاج إلى دراسة المناهج السابقة من أول وضعها، ويحتاج إلى دراسة المناهج للغات الحية الأخرى في الأمم المختلفة للاستفادة منها، والاتصال بتلاميذ المدارس في مراحلهم المختلفة لمعرفة مقدار عقليتهم ، وهكذا.

ثم الامتحان له كبير أثر في ضعف اللغة؛ لأن التلاميذ عندنا اعتادوا أن يقرءوا للامتحان، ويتعلموا للامتحان، وبقدر صعوبة الامتحان والتشديد فيه تكون عناية الطلبة.

والامتحان في اللغة العربية معيب من وجهين: من وجهة ورقة الامتحان، فإنها في أغلب شأنها نظرية لا عملية، وتعتمد على الذاكرة والحفظ أكثر مما تعتمد على التفكير والعمل، واللغة أداة للتعبير، والغاية منها تقويم القلم واللسان، فيجب أن يرمي الامتحان إلى هذه الغاية، أما أن تكون الأسئلة في ما هو التشبيه الضمني، وما هي الاستعارة المكنية، وما أثر الثقافة اليونانية في الثقافة العربية، فأسئلة لا يصح أن تكون في المرحلة الأولى ولا الثانية من التعليم، إنما تكون بعد أن يستكمل الطالب الجانب العملي.

وكذلك من جهة التصحيح، فقد استولى على مصححي اللغة العربية نوع من العطف أشبه ما يكون بالعطف على المجرم فلا يعاقب، وبعطف الأمر الجاهلة على ابنها فلا تؤدبه.

والمصححون يبنون تساهلهم على فكرتين باطلتين: أولاهما: أن اللغة العربية هي اللغة الأصلية، فلا يصح أن يرسب الطلبة فيها، وهذا خطأ؛ لأن لغتنا الأصلية هي اللغة العامية لا اللغة العربية الفصحى، وشتان ما بينهما، ولو كانت العربية لغتنا الأصلية ما شكونا هذا الضعف. وثانيهما: غلبة الرحمة عليهم وقد أبنا ضررها.

وليس أدل على فساد الامتحان من حسن النتيجة المئوية مع ضعف الطلبة ضعفا نضج منه جميعا بالشكوى. أمن المعقول أن نلمس هذا الضعف ثم تكون نسبة النجاح فوق الثمانين في المائة في أكثر السنين؟

كل هذا جعل التلاميذ يهزءون باللغة العربية ولا يعيرونها التفاتا، ويحترمون اللغة الأجنبية والرياضة؛ لأن الاحترام عندهم تابع لنسبة النجاح، فكلما كانت النسبة قليلة كانت العناية بالعلم أقوى؛ وليس ينسى أحد منا العبارة التي تدور على ألسنة الطلبة، وهي أنهم إذا سمعوا طالبا يجتهد في استذكار اللغة العربية قالوا له: «وهل يسقط أحد في العربي؟»

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٥٣