تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعود - بعد - إلى الأسباب الأخيرة من أسباب ضعف اللغة العربية. وهي مسألة «المكتبة العربية» فالحق أنها مكتبة ضعيفة فاترة، هي مائدة ليست دسمة ولا شهية ولا متنوعة الألوان. والحق أيضا أن القائمين بإحضارها لم يجيدوا طهيها؛ فدار العلوم - وقد أتى على إنشائها أكثر من خمسين عاما خرجت فيها الألوف من أبنائها - هل أجادت في إخراج الكتب النافعة المختلفة الألوان والموضوع؟ أو هي قصرت كل التقصير، فأخرجت من الكتب ما لا يتفق وعدد خريجيها ومنزلتهم في الحياة الاجتماعية والأدبية؟

والأزهر - وهو أقدم عهدا وأعرق أصلا - لم يشترك في التأليف الحديث اشتراكا جديا، ولم يساهم بالقدر الذي كان يجب عليه، ولم يعرف عقلية الناس في العصر الحديث حتى يخرج لهم ما هم في أشد الحاجة إليه.

وكلية الآداب - وإن قصر عهدها - لم تؤد رسالتها في هذا الموضوع كاملة، واتجهت أكثر ما اتجهت إلى الثقافة الخاصة لا العامة.

فمكتبتنا في كل نواحيها ناقصة من ناحية الأطفال، ومن ناحية الجمهور، ومن ناحية المتعلمين. وحسبك أن نقوم بسياحة في مكتبة إفرنجية وأخرى في مكتبة عربية لترى الفرق الذي يحزنك، ويبعث في نفسك الخجل والشعور بالتقصير.

ماذا يقرأ الطفل في بيته وفي عطلته؟ وماذا تقرأ الفتاة في بيتها؟ وأين الروايات الراقية التي يصح أن نضعها في يد أبنائنا وبناتنا؟ وأين الكتب في الثقافة العامة التي تزيد بها معلومات الجمهور؟ وأين الأدب القديم المبسط؟ وأين الأدب الحديث المنشأ؟ الإجابة عن هذه الأسئلة يعرفه كل قارئ لمقالتي. وواضح أن اللغة لا ترقى بكتبها في قواعد النحو والصرف والبلاغة بمقدار ما ترقى بالكتب الأدبية ذوات الموضوع.

سيقول المعلمون: وماذا نصنع وليس العيب عيبنا، فوزارة المعارف ترهقنا بالدروس، وترهقنا بنظام الكراسات وتصحيحها، وبنحو ذلك حتى لا نجد وقتا لترقية نفوسنا والازدياد في معلوماتنا فضلا عن المساهمة في تضخيم «المكتبة العربية» والمشاركة في إصلاح جوانب النقص منها.

ذلك حق، ولكنه ليس ردا على ما أقول، فإني في هذا المقال أكتفي باستعراض الأدواء استعراضا خاطفا سريعا من غير أن أعني كثيرا بتحديد المسئول.

2

قرأت في الصحف وصفا لعلاج قيل: إن مكتب التفتيش في وزارة المعارف اقترحه؛ وخلاصته زيادة الحصص للغة العربية، وتوسيع مكتبة التلميذ. وأظن أن هذا علاج ليس كافيا ولا شافيا، وأنه لا يلاقي المرض في الصميم، وأنه لا يقدم في الموضوع ولا يؤخر، فلو ضاعفنا الحصص والمعلم على حاله من النقص، والمنهج كما هو من الضعف، لم نصل إلى نتيجة ولم تتحسن حالة المرض.

إنما العلاج الحقيقي في إصلاح المعلم وما إليه من منهج وامتحان وتفتيش؛ فالمعلم الآن تخرجه ثلاثة معاهد: دار العلوم والأزهر وقسم اللغة العربية في كلية الآداب، وكلها معيبة كما أبنت، فلا بد للإصلاح من توحيد تلك الجهود الموزعة والاقتصار على معهد واحد يسلح بكل أنواع الأسلحة الملائمة.

وعندي أن أصلح معهد لذلك هو «دار العلوم»، فتاريخها القديم في التعليم؛ وسبقها الأزهر في هذا الباب؛ يجعلان المصلحة في بقائها؛ وكذلك صبغتها الدينية، وما بين اللغة العربية والدين من صلة وثيقة يجعلها أصلح من قسم اللغة العربية في كلية الآداب، ولكنها في شكلها الحاضر غير صالحة، بل لا بد لصلاحيتها من أمور: (1)

فصلها عن «وزارة المعارف» وجعلها معهدا تابعا للجامعة أسوة لها بكل المدارس العليا، التي كانت تابعة للوزارة كالمعلمين والهندسة والزراعة والتجارة. فالجامعة أوسع حرية وأكثر استقلالا، والحرية والاستقلال أصلح للنمو العلمي والرقي العقلي. (2)

إعادة النظر فيها من جديد: في نظامها وبرامجها، فلم تعد أساليبها التي كانت صالحة منذ عشرين عاما صالحة الآن؛ على أن يشرف على وضع هذه النظم جماعة من خيرة رجال مصر ثقافة وعقلا وسعة تفكير وعلما بمناهج التربية. (3)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٥٢