تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا من الحق أن نقول: إن المعاهد التي تدرس اللغة العربية في مصر تعجز عن إخراج المعلم الكفء. ومن العجيب أن توجد هيئات ثلاث لتحضير معلمي اللغة العربية والبلد لا يحتاج إلا إلى هيئة واحدة؛ ثم كل هذه الهيئات معيب لتوزع قواها، ولو وحدت القوى في هيئة واحدة لاستطاعت أن تخرج خير أنموذج للمعلم، ولكن يعصف بهذه الفكرة الصالحة تعصب كل فئة لنفسها، وتدل السياسة عند حلها، فضاعت بذلك المصلحة العامة. •••

ويتصل بأمر المعلمين مسائل كانت هي الأخرى سببا في الضعف، وهي مناهج الدراسة والامتحانات والتفتيش.

فمناهج تدريس اللغة العربية متحجرة برغم ما يبدو من مدنيتها وأناقتها. خذ - مثلا - منهج قواعد اللغة العربية والبلاغة تجد أنهما إلى الآن لا يزالان هما بعينيهما منهجي سيبويه والسكاكي على الرغم من زخرفتهما؛ فالتقسيم الذي قسمه سيبويه في النحو، والتعاريف التي وضعها، والمصطلحات التي ذكرها هي هي في كتب المدارس اليوم. وكل ما حديث حتى في الكتب التي ألفت منذ سنوات قليلة هو ذكر المثلة الرشيقة وتبسيط الشرح، ولكن لم يبذل مجهود موفق في معالجة النحو على أساس جديد كضم مسائل متعددة إلى أصل واحد حتى يسهل على الطلبة فهمها وتحصيلها. وكوضع مصطلحات جديدة أقرب إلى الفهم ونحو ذلك؛ وحسبنا دليلا على ذلك ما نراه في أجروميات اللغات الحية الأخرى؛ فأجرومية اللغة الفرنسية أو الإنجليزية اليوم تخالف - في الجوهر - ما كانت عليه منذ عشرين سنة فضلا عن قرن وقرنين.

ومصيبتنا في البلاغة أعظم، فبرامجنا لا توحي بلاغة، ولا تربي ذوقا؛ وإلا فقل لي بربك: ماذا تفيد دراسة «الفصل والوصل» على هذا المنهج إلا تكرير مصطلحات فارغة ككمال الاتصال، وكمال الانقطاع، وشبه كمال الانقطاع، وشبه كمال الاتصال؟ وأخبرني: أي أديب يراعي ذلك عند كتابته؟ ومتى كانت هذه المصطلحات الفارغة وسيلة لرقي الذوق الأدبي؟

وليست برامجنا في الأدب بأقل سوءا من هذين، فإنا نضع في البرنامج أول الأمر مسائل فلسفية وقواعد في النقد وتاريخ الأدب في العصور المختلفة قبل أن يلم الطالب بجمهرة كبيرة من الأدب يقرؤها ويحفظها ويتذوقها، وبذلك نقدم له نتائج من غير مقدمات، ونصعده على السطح من غير سلم.

والذين يضعون البرامج يكلفون وضعها في أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين. وماذا على وزارة المعارف لو كلفت من يضع لها البرامج المستقبلة في سنتين أو أكثر على ألا تضوع إلا بعد دراسة عميقة، ثم تنشر في الجرائد والمجلات وتتقبل الاعتراضات عليها ويعمل بالصالح منها، ثم تثبت الوزارة العمل بها عهدا طويلا حتى تتم تجربتها؟

ثم الامتحانات أمرها غريب! فمع هذا الضعف الذي نسمعه في كل مكان تظهر نتيجة الامتحانات في اللغة العربية باهرة، والسقوط فيها نادرا، فشيء من شيئين: إما أن تكون الشكوى في غير محلها، وهذا ما لا يسلم به عاقل، أو تكون الامتحانات على غير وجهها، وهذا ما يقوله كل عاقل. وسبب هذا السوء في الامتحان كثير؛ فنظريات النحو واسعة تحتمل أن يكون لكل خطأ تأويل من الصواب، ومنها عدم تقدير وقة الامتحانات في جملتها، حتى يصح أن يسقط الطالب إن أتى بخطأ شنيع في موضع ولو أصاب في مواضع أخرى؛ ومنها الرحمة والشفقة في التصحيح، وأؤكد أن لو زالت هذه الرحمة سنة من السنوات وأدرك الطالب ما تعامل به ورقته من الحزم في الامتحان لخدم هذا الموقف اللغة العربية في المدارس جملة سنين.

ثم التفتيش. والمفتش معذور، فهو كالقاضي يطبق مواد القانون ولا يشرعها، فعليه أن ينظر كم موضوعا إنشائيا كتبه الطلبة، وهل هذا يتناسب مع العدد المقرر في السنة، وهل ترك المدرس كلمة كتبها الطالب خطأ في كراسته، من غير أن يصححها، وهل أساء المدرس إساءة كبرى فاستعمل كلمة «التليفون» و«الراديو» أو على العموم استعمل كلمة ليست في «القاموس المحيط» أو «لسان العرب». فأما هل نجح المدرس في تعليمه اللغة العربية لطلبته، وما الوسائل التي استعملها، وهل تقدم الطلبة في القراءة والكتابة فأمر في المنزلة الثانوية؛ وأما ما ينبغي أن يدرس هنا أو لا يدرس، وما العوامل في الرقي باللغة العربية - على العموم - فأمر يرجع في الأغلب إلى المشرع لا إلى المفتش.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٥١