تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي صعبة - أيضا - من ناحية الاختلاف الكثير في الفعل الثلاثي، فله أشكال كثيرة لا يمكن إخضاعها لضوابط حاسمة، وكصيغ جمع التكسير، فهي كثيرة وضوابطها قلما تطرد، وكنظام العدد والمعدود، فإنه معقد تعقيدا شديدا حتى لا يجيده إلا الخاصة وأشباههم.

كل هذا ونحوه يجعل اللغة العربية صعبة المنال، وإتقانها يحتاج إلى مران كثير ومجهود كبير من المتعلم والمعلم.

ولست أعرض هذا لبيان ما إذا كانت هذه الأغراض مظهرا من مظاهر رقي اللغة أو ضعتها، فإن هذا لا يعنيني الآن، وأما الذي يعنيني فهو تقرير صعوبة اللغة العربية وحاجتها الشديدة إلى عناية كبرى لتذليل صعوباتها، ورسم أقرب خطة للتغلب عليها، حتى يحذقها المتعلم من أقرب سبيل. •••

فإذا نحن وصلنا إلى المعلم فقد وصلنا إلى نقطة شائكة؛ ذلك لأننا اعتدنا دائما إلى أن ننقل النقد في الأمور العامة إلى مسائل شخصية، ونحول الكلام في المبادئ العامة إلى فئات وأحزاب، ونسيء الظن بالناقد، فإن كان من فئة خاصة ظنوا أنه يدافع عن فئته، وأنه يريد تنقص غيره. فهل يسمح لي المعلمون بأن أصارحهم القول مؤكدا أن لا غرض لي إلا الإخلاص للحق؟

إن كان الأمر كذلك فإني أصدقهم القول بأن جزءا كبيرا من ضعف اللغة العربية يرجع إليهم. ولست أنكر أن منهم أفذاذا نابغين يصح أن يكونوا المثل الذي ننشده، ولكن المنطق عودنا أن يكون حكمنا على الكثير الشائع لا على القليل النادر.

فالحق أن دار العلوم والأزهر وكلية الآداب لم تستطع أن تخرج المعلمين الأكفاء، الذين نتطلبهم والذين تتطلبهم اللغة العربية للأخذ بيدها والنهوض بها، ومحاربة الضعف المتفشي فيها.

فأما دار العلوم فقد تأسست، والذي دعا وزارة المعارف إلى إنشائها أنها أحست عجز الأزهر عن أن يمدها بالمعلمين الصالحين، إذ رأت أن الأزهر تنقصه - إذ ذاك - الثقافة الحديثة والعلم بمناهج التربية والتعليم، وقد نجحت الوزارة في تحقيق هذا الغرض إلى حد كبير، وأخرج رجالا نهضوا باللغة العربية إلى حد ما، وأحسنوا التدريس على خير مما كان يدرسه الأزهريون، ولكن دار العلوم كانت سادة لحاجة الأمة في السنين الأولى من إنشائها، ثم تقدمت الأمة في ثقافتها ووقفت دار العلوم حيث كانت، فأصبحت لا تؤدي رسالتها كاملة، وأصبح خريج دار العلوم لا يحذق الأدب القديم ولا الأدب الحديث، ولا يستطيع تغذية الشعب بالأدب الذي هو في حاجة إليه، وليس له من المهارة في الوسائل ما يستطيع به أن ينهض بالطلبة النهوض اللائق، ولا هو يساير الزمن في ثقافته حتى يخضع الطلبة لشخصيته القوية؛ ودليل ذلك أمور كثيرة: منها ضعف المكتبة العربية وهو ما سأبينه بعد؛ ومنها عجز معلمي اللغة العربية عن تشويق الجمهور والطلبة إلى القراءة العربية، حتى إنا نرى الناشئ لا يكاد يستطيع القراءة في الكتب الأجنبية حتى يهيم بها ويفضلها ألف مرة على المطالعة العربية؛ ومنه نظر الطلبة في صميم نفوسهم على أن اللغة العربية مادة ثانوية، وإن وضعت في المناهج في أوائلها؛ ومنها أن ثقافة الجمهور فيما تتعلق بالتاريخ الإسلامي والأدب العربية والمعلومات العامة التي تتصل بذلك ضعيفة إلى حد بعيد، والمسئول عنها - كما أسلفنا - هم معلمو اللغة العربية؛ لأنها لغة البلاد وعليها يعتمد في تكوين العقلية، إلى كثير من مثل هذه الأسباب.

وأما الأزهر من ناحية اللغة العربية، فهو الآن وليد دار العلوم، والمشرف على تعليم اللغة العربية فيه هم خريجوها؛ فقصاراه أن يبلغ من الرقي ما بلغته مدرسة دار العلوم في تعليمها ونظمها ومناهجها، حتى يحل محلها؛ ويكفي هذا برهانا على أنه لا يحقق الغرض الذي نرمي إليه.

وأما قسم اللغة العربية في كلية الآداب فكذلك ناقص ضعيف، فهو يعلم طرق البحث الجامعي، وهذا يضطره على أن يتوسع في مسألة وأن يهمل مسائل، فلا يخرج الطالب دارسا لكل ما ينبغي أن يدرس. أضف إلى ذلك أنه يعتمد في طلبته على طائفة تخرج أكثرها من المدارس الأميرية، وحصلوا على شهادة الدراسة الثانوية، وهؤلاء لا يصلحون صلاحية تامة لدراسة اللغة العربية إلا بعد عهد طويل لا تكفي له سنو الدراسة الجامعية؛ ذلك أن اللغة العربية - إلى الآن - متصلة اتصالا وثيقا بالدين، ولا يمكن أن يحذقها ويستطيع أن يفهم كتبها القديمة إلا من بلغ درجة عالية في فهم القرآن والحديث والفقه وأصول الفقه والتاريخ الإسلامي. والطلبة الذين تأخذهم الجامعة لهذا القسم لم يثقفوا هذه الثقافة، ولا تستطيع الجامعة أن تكمل هذا النقص مهما بذل المدرسون من الجهد. ومن أجل هذا ترى أن طلبته بينما يجيدون نهج البحث في بعض المسائل، يقصرون في مسائل تعد في نظر الأزهر ودار العلوم مسائل أولية وهي في الواقع كذلك. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٥٠