تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما جاء مصر في رحلته أعجب بالفسطاط، وقال: إنه لم ير في الأمصار آهل منه، وأعجب بما فيه من كثرة العلماء، وقال: ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه (جامع عمرو) وقد سرته أطعمته وحلواه، وكثرة بقوله وفواكهه، وأعجبته نغمة أهله بالقرآن، ودهش من كثرة المراكب في النيل، ومن كثرة المصلين في المساجد، ولكنه لم تعجبه كثرة البراغيث بها، وانتقد عدم عناية المصريين بالنظافة، وازدحام مساكنهم بالسكان، وكثرة الكلاب فيها، كما انتقد شرب الخمور، وانتشار الفجور، وكثرة السباب.

وحدثنا أن أهل الشام يعيبون على أهل مصر ثلاثة: «أن مطرهم الندى، وطيرهم الحدا، وكلامهم رخو مثل النسا». •••

وأيا ما كان فقد نخالفه ويخالفه المحدثون فيما وصف من مزايا الأقاليم وعيوبها، ولكن عذره أنه وصف ما شاهد، كما وصف أثر هذه المشاهد في نفسه، وقد يكون اختلاف رأينا عن رأيه اختلاف زمان، فزماننا قد تغيرت فيه الأوضاع والأوصاف عما كانت في زمنه، وألف سنة ليست بالقليلة في تغيير الشعوب.

وعلى كل فأهم ما للرجل برنامجه الدقيق الذي وضعه والتزمه، ولا يزال إلى الآن في نظري المثل الأعلى للرحالة، وقل أن يفوقه فيه الرحال المحدثون. فمن منهم يفعل ما يفعل؟ فيبيع في الأسواق ليعرف الحالة التجارية للبلاد التي رحل إليها، ويخدم ليعرف حال القصور، ودخائل البيوت، ويخالط التجار ويأكل مآكلهم ليتعرف عاداتهم، ويتشكل - كما قال - بكل الأشكال إلى الكدية؟

اللهم إن هذا - في بابه - لعظيم!

| أسباب الضعف في اللغة العربية

1

رددت الجرائد والمجلات الشكوى من ضعف الطلبة وخريجي الجامعة في اللغة العربية - ولا شك أنها مسألة لا يصح أن تمر من غير أن يتداولها الكتاب بالشرح والتعليل، ويقلبوها على وجوهها المختلفة، حتى يصلوا إلى علاج حاسم .

أما أن الطلبة ضعاف جدا في اللغة العربية فأمر لا يحتاج إلى برهان. فأكثرهم لا يحسن أن يكتب أسطرا ولا أن يقرأ أسطرا من غير لحن فظيع يكاد يكون بعدد الكلمات التي يكتبها أو يقرؤها؛ وهم إذا خطبوا أو قرءوا أو كتبوا أو أدوا امتحانا رأيت وسمعت ما يثير العجب ويبعث الأسف. وأما أن الضعف في اللغة العربية نكبة على البلاد فذلك أيضا أمر في منتهى الوضوح؛ لا لأن اللغة العربية لغة البلاد، والضعف فيها ضعف في القومية فقط؛ بل لأنها اللغة التي يعتمد عليها جمهور الأمة في ثقافتهم وتكون عقليتهم؛ فاللغة الأجنبية التي يتعلمها طلاب المدارس الثانوية والعالية ليست هي عماد الثقافة للبلاد، وليست هي التي تكون أكبر جزء في عقليتنا، إنما الذي قوم بهذا كله هو اللغة العربية التي نتعلمها في الكتاتيب ورياض الأطفال، وندرس بها العلوم المختلفة في المدارس الابتدائية والثانوية والعالية. فالضعف في اللغة العربية ضعف في الوسيلة والنتيجة معا، على حين أن الضعف في اللغة الأجنبية في كثير من الأحيان ضعف في الوسيلة فقط؛ ولهذا أعتقد أن معلم اللغة العربية في المدارس على اختلاف أنواعها عليه أكبر واجب وأخطر تبعة، وبمقدار قوته وضعفه تتكون - إلى حد كبير - عقلية الأمة.

وبعد، فما هي الأسباب التي نشأ عنها هذا الضعف؟

عندي أن الأسباب ترجع إلى أمور ثلاثة: طبيعة اللغة العربية نفسها، والمعلم الذي يعلمها، والمكتبة العربية.

فأما طبيعة اللغة فهي صعبة عسرة إذا قيست - مثلا - باللغة الإنجليزية أو الفرنسية. ويكفي للتدليل على صعوبتها ذكر بعض عوارضها: فهي - مثلا - لغة معربة، تتعاور أواخرها الحركات من رفع ونصب وجر وجزم حسب العوامل المختلفة؛ ولا شك أن اللغة المعربة أصعب من اللغة الموقوفة، أعني التي يلتزم آخرها شكلا واحدا في جميع المواضع ومع جميع العوامل، كاللغة الإنجليزية والفرنسية.

وهي صعبة كذلك من ناحية أن حروفها وحدها لا تدل على كيفية النطق بها، بل لا بد لصحة النطق من الضبط بالحركات أو المران الطويل، على عكس اللغات الأوروبية التي تدل كتابتها على كيفية النطق بها في أكثر مواضعها. والضبط بالشكل عسير فلا نستعمله في الجرائد والمجلات ولا في أكثر الكتب الأدبية قديمها وحديثها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٤٩