1 ، وضرب النواقيس في الليالي، ونزلت في عرصة الملوك بين الأجلة، وسكنت بين الجهال في محلة الحاكة، وكم نلت العز والرفعة، ودبر في قتلي غير مرة، ولبست خلع الملوك وأمروا لي بالصلات، وعريت وافتقرت مرات، ورميت بالبدع، واتهمت بالطمع، واتبعني الأرذلون، وعاندني الحاسدون، وسعي بي إلى السلاطين، ودخلت حمامات طبرية والقلاع الفارسية، ورأيت يوم الغوارة وعيد بربارة، ولقد ذهب لي في هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم، سوى ما دخل علي من التقصير في أمور الشريعة، ولم تبق لي رخصة مذهب إلا وقد استعملتها، وما سرت في جادة وبيني وبين مدينة عشرة فراسخ إلا فارقت القافلة وانفتلت إليها لأنظرها، وربما اكتريت رجالا يصحبونني، وجعلت مسيري في الليل لأرجع إلى رفقائي، ومثل هذا كثير. وإنما ذكرت هذا القدر ليعلم الناظر في كتابنا أننا لم نضعه جزافا، ولا رتبناه مجازا، فكم بين من قاسى هذه الأسباب وبين من صنف كتابه في الرفاهية ووضعه على السماع.
هذا برنامجه فيما شاهده. أما ما لم يشاهده فبرنامجه فيه «أن يسأل ذوي العقول من الناس، ومن لم يعرف بالغفلة والالتباس، وأن يسأل عن الشيء الواحد جماعة مختلفة؛ فما اتفقوا عليه أثبته، وما اختلفوا فيه نبذه، وما حكوه ولم يقبله عقله أسنده إلى من وراءه أو قال فيه «زعموا».
وهذا منتهى الصدق والإنصاف، والدقة والتحري.
وجاءته فكرة «الخرائط» فعملها في كتابه، بل جاءته فكرة الخرائط الملوية واختيار الألوان المناسبة فقال:
ورسمنا حدودها وخططها وحررنا طرقها المعروفة بالحمرة، وجعلنا رمالها الذهبية بالصفرة وبحارها الملحة بالخضرة، وأنهارها المعروفة بالزرقة، وجبالها المشهورة بالغبرة، ليقرب الوصف إلى الأفهام، ويقف عليه الخاص والعام.
غير أن هذه الخرائط - مع الأسف - لم تصل إلينا مع كتابه.
وقد ساح في جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب ثم في بلاد فارس والسند والهند، ودون ما شاهده حسبما وضع من قواعد، وألف في ذلك كتابا سنة 375ه سماه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»
2 .
وقد لخص رأيه في الأقاليم التي زارها، في جملة في ثنايا الكتاب فقال: «أظرف الأقاليم العراق، وهو أخف على القلب، وأحد للذهن، وبه تكون النفس أطيب، والخاطر أدق. وأوسعها فواكه، وأكثرها علماء وأجلة «المشرق»
3 . وأكثرها صوفا وقزا ودخلا على قدرة الديلم
4 . وأجودها ألبانا وأعسالا، وألذها أخبازا وأمكنها زعفرانا الجبال
5 . وأسفلها قوما، وشرهم أصلا وفصلا خوزستان. وأحلاها تمورا وأوطؤها قوما كرمان. وأكثرها فانيذا وأرزازا ومسكا وكفارا السند. وأكيسها قوما وتجارا ... فارس. وأشدها حرا وقحطا جزيرة العرب. وأكثرها بركات وصالحين وزهادا ومشاهد، الشام. وأكثرها عبادا وقراء وأموالا ومتجرا وحبوبا، مصر. وأخوفها سبلا وأجودها خيلا وأوسطها قوما أقور
6 . وأجفاها ... وأكثرها مدنا وأوسعها أرضا المغرب».
وقال في موضع آخر: لم أر أطمع من أهل مكة، ولا أفقه من أهل يثرب، ولا أعف من أهل بيت المقدس، ولا آدب من أهل هراة، ولا أذهن من أهل الري ... ولا أصح موازين من أهل الكوفة، ولا أحسن من أهل حمص وبخارى، ولا أحسن لحى من الديلم، ولا أشرب للخمور من أهل بعلبك ومصر، إلخ ... فإن سأل سائل: أي البلدان أطيب؟ نظر، فإن كان يطلب الدارين، قيل له: بيت المقدس، وإن كان يطلب النعمة والحيازة والرخص والفواكه، قيل له: كل بلد أجزاك، وإلا فعليك بخمسة أمصار: دمشق، والبصرة، والري، وبخارى، وبلخ. ومن أراد التجارة فعليه بعدن أو عمان أو مصر».
وقال في موضع ثالث: «واعلم أن بغداد كانت جليلة في القديم، وقد تداعت الآن للخراب، واختلت وذهب بهاؤها، ولم أستطبها ولا أعجبت بها، وإن مدحناها فللمتعارف. وفسطاط مصر اليوم كبغداد في القديم، ولا أعلم في الإسلام بلدا أجل منه» إلخ.