تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليست العقول مسايرة في الرقي والانحطاط للقلوب، فقد يكون مريض القلب صحيح العقل، وقد يكون صحيح القلب مريض العقل، ومقياس صحة الاستفادة من النبوة صحة القلب لا صحة العقل؛ فلذلك آمن بلال قبل أن يؤمن عمرو بن العاص، وأسلمت جارية بني مؤمل قبل أن يسلم أبو سفيان. •••

كانت فترة غار حراء الحد الفاصل بين محمد بشرا، ومحمد بشرا رسولا. لقد صعد إليه إنسانا حائرا، وهبط منه إنسانا نبيا، مهتديا مطمئنا. صعد شاكا وهبط مؤمنا. لمع في قلبه النور الإلهي فإذا كل شيء حوله شفاف يراه بقلبه ويكشفه بنوره.

نزل من الغار يدعو الناس أن يستضيئوا بضوئه، وأن يحيوا قلبهم من حياة قلبه، وأن يسمعوا لصوت الله على لسانه، وأن يروا عظمة الله في كل أثر من آثاره. •••

أي شهر كان هذا الشهر؟ لو وزن به الزمان لوزنه. وأي مكان غار حراء؟ لو فاضل كل مكان لفضله.

| قانون الرحالة

منذ نحو ألف عام نبغ في بيت المقدس عالم جليل اسمه أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي، نظر فرأى أن العلماء قد سبقوه في اختراع العلوم وترتيبها، ثم خلف من بعدهم خلف شرحوا ما دونوا، واختصروا ما طولوا، فعز عليه ألا يبتكر كما ابتكروا، وألا ينفرد بشيء كما انفردوا، وعاف أن يكون صدى لغيره، يجمع ما فرقوا، أو يفرق ما جمعوا، فأخذ يستعرض جوانب نقصهم حتى يكملها، ونواحي أغفلوها حتى يبتكرها. قال: «فرأيت أن أقصد علما أغفلوه، وأتفرد بفن لم يذكروه»، ذلك أنه رأى المملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجري لم توصف وصفا كافيا شافيا، لا من ناحية جغرافيتها، من مفاوز وبحار، وبحيرات وأنهار، ومدن وأمصار، ونبات وحيوان، ولا من ناحيتها الاجتماعية «من اختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم، وألسنتهم وألوانهم، ومذاهبهم، ومكاييلهم وموازينهم، ونقودهم وصروفهم، وصفة طعامهم وشرابهم، ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم، ومعادن السعة والخصب، ومواضع الضيق والجدب».

ورأى - كما قال - أن ذلك علم لا بد منه للتاجر والمسافر، والملوك والكبراء والقضاة والفقهاء.

نعم قد اتجه بعض العلماء قبله إلى هذا الباب، ولكنه رأى أنهم قصروا وما أنصفوا، فمنهم من نقل في كتبه ما سمع من أفواه الناس واكتفى بذلك، ومنهم من اقتصر على المصور الجغرافي وشرحه، ومنهم من اقتصر على ذكر المدن المشهورة.

وعلى كل حال فقد استعرض كل ما ألف قبله في هذا العلم فلم يرتضه.

فانتدب مؤلفنا نفسه لهذه المهمة، وإكمال هذا النقص، وإحراز قصب السبق، ورسم لنفسه خطة محكمة أتم إحكام، دقيقة أكمل دقة، حتى ليصح - بحق - أن تعد «قانون الرحالة»، فهو يقول: «إني أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة وأسندته بدعائم قوية»؛ ولكن ما هي هذه القواعد المحكمة التي وضعها؟

فأول كل شيء قرر أن يرحل إلى الأقطار الإسلامية ويشاهدها بنفسه ففعل، فإذا دخل بلدة درسها أتم درس، وعلى حد تعبيره «ذاق هواءها، ووزن ماءها، ولقي علماءها، وخدم ملوكها، وجالس القضاة والفقهاء، واختلف إلى الأدباء والقراء، وخالط الزهاد والمتصوفين، وحضر مجالس القصاصين، وتاجر فيها، وعاشر أهلها، ومسح إقليمها، ودار على تخومها، وفتش عن مذاهب سكانها، ودقق النظر في ألسنتهم وألوانهم».

وفي الحق أن الرجل كان في عمله المثل الأعلى للرحالة، فقد عمل كل ما يمكن عمله لدراسة البلاد والوقوف على عاداتها وأحوالها. ولا أدل على ذلك من أن أتركه يتكلم إلى القراء عما عمله في هذا الباب. قال:

لم أترك شيئا مما يلحق المسافرين إلا وقد أخذت منه نصيبا، فقد تفقهت وتأدبت، وتزهدت وتعبدت، وفقهت وأدبت، وخطبت على المنابر، وأذنت على المنائر، وأممت في المساجد، واختلفت إلى المدارس، وتكلمت في المجالس، وأكلت مع الصوفية الهرائس، ومع الخانقائيين الثرائد، ومع النواتي العصائد، وطردت في الليالي من المساجد، وتهت في الصحاري، وسحت في البراري، وصدقت في الورع زمانا، وأكلت الحرام عيانا، وصحبت عباد جبال لبنان، وخالطت حينا السلطان، وملكت العبيد، وحملت على رأسي بالزنبيل، وأشرفت مرارا على الغرق، وقطع على قوافلنا الطرق، وخدمت القضاة والكبراء، وخالطت السلاطين والوزراء، وصاحبت في الطرق الفساق، وبعض البضائع في الأسواق، وسجنت في الحبوس، وأخذت على أني جاسوس، وعاينت حرب الروم في الشواني

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٤٧