تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكبر الظن أن «محمدا» في هذه الفترة، وعلى الأخص في غار حراء كان في حيرة ما أشدها من حيرة، عبر الله عنها بقوله: «ووجدك ضالا فهدى».

لقد عرف قومه فلم يعجبه دينهم، ولا نوع حياتهم، ولا كفرهم ولا إيمانهم ولا أخلاقهم؛ وسافر إلى الشام فرأى فيها مدنية الرومان بمالها وأعمالها التجارية وترفها ونعيمها ودينها الرسمي ومظاهره، فلم يعجبه شيء من ذلك. لقد رآهم يعيشون كما يعيش السمك يأكل بعضه بعضا، أو كما تعيش الذئاب والشياه في حظيرة واحدة. رحماك اللهم! ما هذه الحيرة الشاملة؟ لا البداوة بسذاجتها ونظامها أعجبته، ولا الحضارة بترفها وزخارفها أعجبته. لم يعجبه ما رأى من وثنية، ولم يعجبه ما رأى من نصرانية. فأين الحق؟

لقد اطمأن إلى شيء واحد، هو أن كل ما رأى ضلال؛ وحيره شيء واحد هو سؤاله أين الهدى!

حالة نفسية إذا تملكت نفسا مرهفة وشعورا دقيقا ملكت نفسه وغمرت قلبه؛ فحلا له أن يعتزل الناس؛ لأنهم يحولون بينه وبين تفكيره، ويقطعون عليه سلسلة مشاعره.

لقد جرب العزلة الساعة واليوم فوجدها تفتح قلبه وتريح نفسه ، ووجد فيها مفتاحا لحيرته، واتجاها لهدايته، فبالغ فيها حتى بلغت الشهر!

إن الناس وضوضاءهم ومناظر حياتهم يضنون نفسه فليهرب منهم. وإن منظر الطبيعة بجمالها وبهائها ورونقها ليحيي نفسه فليطمئن إليها. يتعاقب عليه في عزلته الليل والنهار فيجد في كل غذاء نفسه: هذا الليل في أعلى الجبل بسكونه وهدوئه، وسمائه ونجومه، والعالم حوله كله نائم، وهو يناغي النجم، ويشاطره الاضطراب والحيرة، وهذا النهار - في أعلى الجبل أيضا - يشرف منه على العالم من تحته، فيهزأ بالناس وسخافاتهم هزؤا مشوبا برحمة. واستخفافا ممزوجا بعطف.

كل ذلك أو أكثر من ذلك كان يخفق له قلب محمد في غار حراء.

لقد عرف البطل، ويريد أن يعرف الحق، وأدرك الضلالة ويريد أن يدرك الهدى، ولم يحب ما عليه الناس، ولكن يريد أن يعرف ما ينبغي أن يكون عليه الناس.

هذا الظلام فأين النور؟ وهذا العمى فأين البصر؟ وهذا ما يجب ألا يكون، فأين ما يجب أن يكون؟ •••

لقد طلب الحق - في غار حراء - بعد أن تهيأت نفسه، واستعدت روحه، وكملت مشاعره، وتوجت بالحيرة، فكانت حيرته إرهاصا لليقين، وضلاله إرهاصا للهدى.

لم يطلب الحق من طريق الشعر؛ فالشاعر يتخيل ثم يخال، والشاعر يخلق ما لم يكن، ولا يدرك ما يجب أن يكون، والشاعر يغني لنفسه - أولا - ولا بأس أن يسمع الناس، والشاعر يعيش في جو خيالي يخلقه بنفسه لنفسه، وليس هذا من النبوة في قليل ولا كثير. ولم يطلب الحق من طريق الفلسفة أو العلم، فكلاهما عبد المنطق، عبد الألفاظ، عبد الكتب، عبد النصوص. وقصارى أمرهما أنهما عبدان للعقل، والعقل معيب مغرور مضل؛ ولكل إنسان عقله، ولكل إنسان تفكيره، ولكل إنسان منطقه وقضاياه.

إنما طلب محمد الحق من طريق أسمى من ذلك كله، وأرفع من ذلك كله: طلبه من طريق القلب، وأعلن أنه لم يطلب علما ولكن طلب إيمانا، فأعلن أنه أمي وفخر بأميته؛ لأن القلب فوق اللغة، وفوق الكتابة والقراءة، وفوق العلم، وفوق المنطق؛ وهو القدر المشترك بين الناس، لا يؤمن بحدود اللغة والجنس، ولا يؤمن بحدود اللسان والألوان.

من أجل هذا لم يذهب - وقد حار - إلى معلم يعلمه الكتاب، ولا إلى مثقف بالكتب والأديان، وإنما فضل على ذلك كله غار حراء حيث الطبيعة - على فطرتها - مفتوحة أمام قلبه، وحيث يتصل هو وهي بربها وربه.

لقد اهتدى إلى الصراط المستقيم، واتجه اتجاه الأنبياء، لا اتجاه الشعراء والعلماء، وتهيأ للأمر العظيم، فلمعت في قلبه الشرارة الإلهية، كما يتهيأ السحاب فيلمع البرق.

لقد أضاءت له هذه الشرارة الإلهية كل شيء، وكانت رسالته من جنس هدايته؛ فرسالته أن يبعث الحياة في القلب، ويبعث الضوء إلى النفس، كالقمر يستمد نوره من الشمس، ثم يعكس أشعته الجميلة على الناس، يشترك في الاهتداء به العالم والجاهل، والذكي والغبي، والفيلسوف والعامي، على اختلاف فيما بينهم؛ لأن لديهم جميعا قدرا مشتركا من القلب صالحا للاهتداء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٤٦