وعالج الفقر بالتصدق على الفقير فسيظل فقيرا، وسيظل الاستجداء كما هو؛ ولكن تعرف أسباب فقر الفقير، فإن كان بطالة فأوجد له عملا، وإن كان عجزا فأوجد له ملجأ، وإن كان سوء تصرف فعالج سوء التصرف بتعليمه حسن التصرف يقل الفقر وينقطع السؤال.
كم وعظ يذهب هباء، وكم نصيحة تضيع سدى؛ لأن الواعظ أو الناصح واجه النتائج وترك المقدمات، وتعرض لحاصل الجمع أو الضرب وترك المفردات، فكان مثله كمثل من ظن أنه بوعظه وإرشاده يستطيع أن يمنع القط أن يؤذي فأرا أو الذئب أن يمس حملا.
إنما منهج الإصلاح الحديث أن يسير وراء المرض يتعرف علله، ثم يجتهد أن يزيل العلل فيزول المرض.
يرى المصلح الحديث أن الجريمة أو سوء الحال لم يأت عفوا فلا يعالج عفوا، إنما أتى من عوامل متعددة، فما بقيت العوامل بقي الإجرام، وبقي سوء الحال؛ فإذا تغيرت الظروف والبيئة انقطع الإجرام وحسن الحال.
يتلخص الإصلاح الحديث في الإيمان بقانون السببية، وبأنه شامل للظواهر الطبيعية، فحسن الأخلاق وسوءها، والإجرام وعدمه، والغنى والفقر، وحال القرية، وحال الفلاح، والفجور والعفة، كل أولئك ينطبق عليها قانون السببية، كما ينطبق على الأجسام المادية التمدد بالحرارة والانكماش بالبرودة، ونحو ذلك من قوانين. •••
كان النمط القديم في الإصلاح يقول: «أطعم الجائع»، والنمط الحديث يقول: «لا يكن جائع» والنمط القديم يقول: «تصدق على الفقير»، والنمط الحديث يقول: «امح الفقر»، والنمط القديم يقول: «احبس المجرم»، والحديث يقول: «اجتث عوامل الإجرام»، والقديم يقول: «أصلح الفلاح وحسن القرية»، والحديث يقول: «أرصد في الميزانية المال لشرب الفلاح ماء نقيا، وعلمه ليطالب بحقوقه، واعدل فيما يصيبه ويصيب المالك، وشرع القوانين حتى يصل إليه ما يكفيه، ورق عقله حتى يعرف كيف ينفق ما يصل إلى يده» تحسن معيشته.
نمط الإصلاح القديم يعتمد على البلاغة والخطابة، ونمط الإصلاح الحديث يعتمد على «معامل» كمعامل الطبيعة والكيمياء، فيه تحليل للظواهر الاجتماعية حتى نعرف أسبابها، وفيه درس عميق وإحصاء دقيق، وفيه تشخيص للمرض، ووضع للمريض تحت الأشعة، وإجراء لتجارب العلاج، وتعرف للنتائج، ثم تنفيذ للعلاج حسي ما أرشد إليه البحث والدرس والفحص.
وعلى الجملة فالنمط القديم ينظر إلى ثمرة الشجرة، والنمط الحديث إلى جذور الشجرة.
| في غار حراء
في غار حراء - وهو غار يقرب من ثلاثة أمتار في مترين في قمة جبل على يسار السالك من مكة إلى عرفة - كان محمد وهو في سن الأربعين قبيل الرسالة يتحنث.
كان محمد في هذه الأيام يألف العزلة، «ولم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده». «وكان يخرج إلى شعاب مكة وبطون أوديتها». «وكان يقضي شهرا مجاورا في غار حراء».
هكذا تقول كتب السيرة.
فيم كان يفكر؟ وما الذي كان يطلب؟ وما هذه الحالة النفسية الجديدة التي استولت عليه؟ وما الذي جعله يهرب من الناس وقد كان بهم أنيسا؟ يسعد بالوحدة، ويسعى إلى العزلة، ولا يطمئن إلا إلى نفسه وتفكيره! وما الذي جعله يختار قمة جبل يشرف منه على العالم حوله فتسبح نفسه في التفكير من غير أن يحدها حد أو يقف بها عند غاية؟
ما هذه الأفكار التي كانت تملأ نفسه شهرا فلا يمل التفكير، ولعله كان يود أن يبقى كذلك أشهرا لولا واجب أهله وواجب عشيرته؟
ولكن هل لنا أن نتساءل هذه الأسئلة؟ وإذا سألناها فهل في استطاعتنا أن نجيب عنها؟
هل في استطاعة الجاهل أن يشرح أفكار الفيلسوف؟ وهل في مكنة من لا يحسن الرياضة أن يتخيل ما يفكر فيه الرياضي؟ وهل للنملة أن تتساءل: فيم يفكر الإنسان؟
ولكن ما حيلة الإنسان وقد خلق طموحا إلى أقصى حد وأبعد غاية، ولم يقنع في باب المعرفة بشيء؟ لم يقنع بالأرض ففكر في السماء، ولم يقنع بالظاهر ففكر في الباطن، بل لم يقنع بآثار الله فأراد أن يعرف ذات الله، وهيهات هيهات! •••