تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بعيد النظر فيراه كثمرة الشجرة اشترك في تكوينها - على هذا النحو دون ذاك - نوع بذرتها وغذاؤها وجوها وكل ما يحيط بها، فمحال مع كل هذا أن تكون غير ما هي، ومحال أن يصدر عن الإنسان غير ما يصدر عنه، ما دامت كل مقومات العمل هي هي.

ماذا أنا، وماذا أنت؟

ثمرة ككل ثمار الشجر، ونتيجة لكثير من المقدمات.

جزء جمادي يخضع لكل قوانين الجماد التي يخضع لها التراب والحجر والماء، وجزء عضوي يخضع لكل قوانين النبات في مختلف البقاع، وجزء حيواني يخضع لكل قوانين الحيوان في البر والبحر وفي الأرض والسماء، وجزء إنساني يخضع لكل قوانين الإنسان في البلاد الحارة والباردة وفي جوف الصحراء وعلى ساحل البحار أو شواطئ الأنهار.

ثم يأتي بعد ذلك جزء قليل من الشخصية اسمه «أنا» واسمه «أنت» واسمه «هو»؛ وهذه الشخصية قد غمرت وقيدت بالجزء الأكبر من طبيعة الجماد والنبات والحيوان والإنسان.

وحتى هذا الجزء القليل من الشخصية الذي سبب الفروق بين إنسان وإنسان قد عمل في تكوينه عوامل لا تحصى، اشترك فيه الأجداد من آدم وحواء - على الأقل - إلى اليوم، واشترك فيه ما تنقل فيه الآباء من بيئة وإقليم، وما تدينوا من دين، وما اعتنقوا من خرافات وأوهام، وما تبدوا وما تحضروا، وما أصابهم من رخاء أو شقاء؛ هذا شأن القديم، ولا يقل عنه شأن الحديث، فنحن كالمرآة ينطبع فينا كل ما يصل إلى صفحتنا، عن طريق كل حاسة من حواسنا ومن غير حواسنا، وبشعورنا ومن غير شعورنا، ثم يتفاعل كل هذا القديم، وكل هذا الجديد، فيكون نتاجه «أنا» و«أنت» و«هو». ومن المستحيل - مع هذا التفاعل - أن يكون «أنا» غير «أنا» و«أنت» غير «أنت» لا في الخلق ولا في الخلق ولا في العقل ولا في الروح؛ فما أنا وأنت إلا حاصل جمع لأعداد محدودة، أو نتيجة مزج لحرارة وبرودة؛ إن كان كذلك فكيف يكون الإصلاح؟

إذا أردت الإصلاح فلأعمل ما أعمله إذا أردت تغيير حاصل الجمع فأغير مفرداته، وما أعمله في تغيير درجة الحرارة فأغير حرارة العناصر، وما أعمله في تغيير الثمرة بتغيير البذرة، فإن لم أستطع فبتغيير الغذاء.

لست بمستطيع أن أغير ما في من عناصر جماد أو نبات أو حيوان أو إنسان، ولست بمستطيع أن أغير قوانين الوراثة، فأين أنا وآبائي الأولون الذين صبوا في من نفوسهم وطبائعهم وأرواحهم، ثم تركوني وشأني أخضع لقوانين العالم؛ ثم إني - كمصري - أحمل بجانب طبيعة آبائي أعباء كل تاريخ مصر من قديم ومتوسط وحديث، أحمل ظلم الظالمين وعدل العادلين؛ ونصرة الحروب وهزيمتها وسيطرتها على الأمم وسيطرة الأمم عليها؛ وقد رسم كل ذلك خطوطا في جبين كل مصري لا يقرؤها إلا الله والراسخون في العلم، وما أن بمستطيع تغيير هذه الخطوط أيضا.

ولكن بجانب دائرة غير المستطاع دائرة المستطاع، وهو ما يتجه إليه الإصلاح. أصلح المدينة التي أسكنها، والكتب التي أقرؤها، والروايات التي أشاهدها، والحكومة التي تحكمني، والدين الذي أعتقده، والمدرسة التي أتعلم فيها، والمحاكم التي تحاكمني، والناحية الاقتصادية التي تحيطني، والسياسية التي تسوسني، فتنفعل كل هذه مع وراثتي، فإذا نتيجة التفاعل مختلفة، وإذا حاصل الجمع مختلف، وإذا الإصلاح قد حدث، وبغير هذا لا يكون إصلاح.

ناد ما شئت بإصلاح القرية وإصلاح الفلاح، واخطب على منابر واكتب في المجلات واملأ أعمدة الصحف، فالقرية القرية والفلاح الفلاح، ولا قيمة لهذا كله إلا أن يكون توجيها للعمل؛ إنما تصلح القرية ويصلح الفلاح يوم تدرس مظاهر بؤسها، وأسباب تعاستها وتعاسته، ثم يخصص المال للإصلاح، وتوضع ميزانية الدولة على هذا الأساس وتعالج كل معضلة بإزالة أسبابها.

ومن الغفلة أن تحاول أن تتقي الفجور بإنشاء مكتب الآداب، وتترك أسبابه وعلله كما هي، من فقر وإثارة غريزة، وميل إلى العيش الناعم، وما إلى ذلك من أسباب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٤٤