تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سكتت القنابل وطال الانتظار، وفرغ الناس من الكلام، وبدأ النعاس - لا أقول: يداعب أعينهم فليس الوقت وقت مداعبة - ولكنه بدأ يغزو أعينهم، وانسللت من بين القوم إلى مضجعي فنمت، ولم أصح إلا على صفارة الأمان. •••

وتلهفت على موعد الإذاعة اللاسلكية أستوضحها علم ما كان ليلة أمس، فكأنها أيضا أصابها الإغفاء من طول ما أرقت، فمر موعد إذاعة الأخبار في صمت عميق كأنه صمت القبور؛ وانتظرت موعد بائع الجرائد أيضا، فكأنه تآمر مع محطة الإذاعة على كتم الأسرار، فنزلت واشتريتها، فرأيتها تأتي بما أعلم، ولا تذكر شيئا عما لا أعلم، وكان المتكلم الوحيد الذي يأتيني بالأخبار هو الإشاعات المتضاربة المبالغة. ووقفت انتظر الترام فإذا بجانبي طائفة من باعة الجرائد، يفسر أحدهم هذه الغارات بالغريزة والإلهام، لا بالعقل والمنطق، ويرد عليه آخر فيصفعه ويجري.

وأذهب إلى مجتمع من الناس لعمل من الأعمال، فأسمع أحاديث طلية عن ليلة أمس: هذا رعب بيته وتشنجت بنته، وهذا فتح الشباك لينظر هو وزوجه إلى الطيارة وقد حبستها الأنوار الكشافة فكان منظرا جميلا في القمر الجميل! إلى كثير من ألوان الحديث المختلفة. •••

وضرب الناس في الأرض وعادوا سيرتهم الأولى، حتى إذا جاء المساء وفرغنا من عملنا جلسنا إلى مقهى في رفقة من الأصدقاء، وأتى الغلام: - نعم!

بطيخ - خشاف - لبن زبادي - «سندوتش» - «شيشة».

الجو طلق، والهواء جميل، والسماء صافية، والقمر مضيء، وأتى الفتى بكل ما طلبنا.

فأخذ هذا يكركر شيشته، وهذا يجيل الملعقة في خشافه، وذلك يعمل الشوكة والسكين في بطيخه؛ وإذا بصفارة الإنذار تنعق، فترك كل ما هو فيه، هرع إلى المقهى، وأطفئت الأنوار، وأغلقت الأبواب، ولم يدر كل منا أين أصحابه، فتفرقنا حيثما اتفق، وجلست بجانب من لم أعرفهم؛ ففي الجانب الأيمن نكتة لطيفة ضج لها الحاضرون بالضحك، وقام ضحكهم اليوم مقام قنابل أمس، والمصريون لا تفارقهم النكات، حتى في أحرج الأوقات؛ وفي الجانب الأيسر طائفة أكثر جدا وهما، يذكرون ما عسى أن يكون أهلهم وأولادهم في بيوتهم، وماذا عسى أن يتخيل أهلهم وأولادهم فيهم الآن، ويتبادلون هذه الخيالات، وينادي أحدهم من ركن المقهى: يا دكتور، اجلس بجانبي، فإذا جد الجد أسعفتني!

ولم يطل زمن الغارة، فصفرت صفارة الأمن لتمحو ما فعلت أختها صفارة الإنذار، وأسرع الناس إلى أهلهم يطمئنون على حياتهم ويطمئنونهم بحياتهم.

وأصبحت فأخذت القطار لشأن من الشئون، وتوقعت أن يكون الزمن مملا، فقطعته بكتابة هذا الحديث الممل.

| الإصلاح الحديث

كان الإصلاح القديم يتجه إلى النتائج فيعالجها، ويترك المقدمات غير عابئ بها، تعمل عملها، فتنتج النتائج نفسها.

وعلى هذا جرى وعظ الواعظ، وتعليم المعلم، ونصيحة الوالد، وكثرة النواهي والأوامر؛ وعلى هذا النمط أيضا عولج الفقر بالتصدق على الفقير، وعولج الإجرام بحبس المجرم، وهكذا.

ثم رقي الإنسان فظهر أن هذا الضرب من الإصلاح على الأقل لا يكفي، فالفقير يسأل فيمنح ثم يسأل فيمنح، ففقره دائم وسؤاله دائم، والمرض دائم، والعلاج لم يكن شافيا، فما دامت المقدمات هي هي فالنتيجة هي هي.

إذا كان مجموع أربعة وخمسة تسعة، ثم استقللت التسعة فمن الحق إذا أدرت زيادتها وتكثيرها أن تحافظ على مفرداتها، فغير المفردات يتغير الجمع، وإلا فالتسعة تسعة على الرغم من كل محاولة.

وإذا لم تعجبك ثمرة شجرة فمن الأمل الخائب أن تنتظر في المستقبل جودتها وحلاوتها ما دمت تحافظ على أصلها وتربتها وجوها وغذائها. •••

كل عمل من أعمال الإنسان يظنه قصير النظر نتيجة وقتية، كان يمكن أن يكون، وكان يمكن ألا يكون، وكان يمكن عكسه، فمن اليسير نهي فاعله لينتهي أو أمره ليأتمر، وهذا كل ما في الأمر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٤٣