يجب أن يكون الفرق بين الأدب القديم والحديث كالفرق بين آلات القتال القديمة والحديثة، والنظم السياسية القديمة والحديثة، والحياة الاجتماعية القديمة والحديثة؛ لأن الأدب ليس إلا تصويرا لحياة يرقى برقيها ويتلون بألوانها. •••
على كل حال نعقت صفارات الإنذار لأول مرة في القاهرة أول أمس في الساعة الثانية صباحا، وكانت هذه المرة جدا بعد أن سمعناها مرات لعبا، فهب كل من في «العمارة» من نومهم، والظلام سائد، فجعلوا يتحسسون السلم حتى وجدوه ونزلوا ذاهلين؛ هذا يجر أولاده، وهذا يجر أولاده، وهذه تقود أمها، حتى اجتمعوا في «البدروم»، فانتحى النساء ناحية، وانتحى الرجال ناحية، وأخذوا يتحدثون، فكان من ذلك كله معرض أمزجة.
هذا فلان قد غلبه الخوف فسكت ولم ينبس بكلمة، ولم يشترك مع القوم في قليل ولا كثير، كان نائما حالما، فصار نائما ساهما واجما.
وهذا فلان الذي يرى الدنيا كلها نكتة، ويرى في كل شيء جانبه المضحك، ويستخرج منه الفكاهة اللطيفة، لم يفارقه في موقفه هذا مزاجه الخاص، فأخذ يقص على الناس كيف نبهته زوجته لصفارة الخطر، وكيف ألح عليها أن تتركه لينام، وألحت عليه أن يستيقظ، ويحكي ما دار بينهما من حوار، وأنه يريد أن يموت نائما ولا يريد أن ينجو مستيقظا، وأنها تريده حيا لنفسها ولأولادها لا له، وأخيرا نزل على رأيها فنزلوا إلى المخبأ؛ يمثل ذلك كله ويضحك فيتابعه بعض الحاضرين في ضحكه، وهكذا هو معين مرح لا ينضب، يشع على من حوله الطمأنينة والسرور حتى في أشد الأوقات حرجا، يخيل إلي أنه سيموت يوم يموت من الضحك، وأنه إذا شاهد عزرائيل مزح معه وبادله نكتة بنكتة.
وهذا فلان المحال على المعاش تحول رعبه إلى عاطفة دينية حادة، فهو يسبح ويحوقل، ويتلو: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا - أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة - وأفوض أمري إلى الله - وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم» إلى غير ذلك من آيات في هذا الموضوع.
وآخران جلسا يستعرضان السياسة، أخبار صلح فرنسا مع ألمانيا، والأسطول الفرنسي وأثره، وهتلر ومقاصده، وموقف مصر من إنجلترا، وموقفها من إيطاليا، والوزارة الحاضرة وأخبارها، وماذا تكسب إيطاليا من هذه الغارة ... إلخ.
وفي الجانب الآخر نساء العمارة وأطفالهن، فأما الأطفال فكانوا صورة صادقة من آبائهم، منهم من يصرخ، ومنهم من «يلبد» في حضن أمه، ومنهم من ينام كأن لا شيء؛ ودخل النساء في حديث مشترك ذهب مذاهب شتى في وجوب الهجرة من القاهرة، وكل تحدث بما عزمت عليه، وكيف انتبهت من النوم وأيقظت أولادها، ثم الدنيا ومصائبها، وكيف لم يعد فيها راحة.
وفيما كان الرجال والنساء في هذه الأحاديث المتشعبة والفنون المختلفة، إذا بصوت المدافع تطلق، والانفجار يدوي، فتعقد الألسنة ويسود الوجوم، ويسكت الناس، وتنبح الكلاب؛ ويلتفت بعض الحاضرين إلى سقف المخبأ هل هو متين؟ ماذا يكون شأنه لو دك ما فوقه؟ وإلى المنافذ، هل يحسن أن تبقى هكذا مفتوحة؟ هذه عملية العين؛ وأما الأذن فقد أرهفت لصوت القنابل، وما مقدار المسافة بيننا وبينها؟ هل هي آخذة في القرب منا أو في البعد عنا؛ ثم بدأت الألسنة تتحرك في تثاقل: - هل اشتريت يا أخي كمامات؟ - لا والله. - إنا لم نسمع في هذه الحرب باستعمال الأعداء للغازات الخانقة حتى نحرص عليها. - ولكنهم قد لا يستعملونها في الغرب؛ لأنها عرفت وعرف علاجها، واستعد لها الناس هناك، أما في الشرق فقد تستعمل فمن الواجب الاحتياط لها. - سأنظر. - متى تذهب إلى «الفلاحين»؟ - لا أنوي. - لماذا؟ - لأني أرى الموت بالقنابل أفضل من الموت بالميكروبات. - يمكنك أن تتقي الميكروبات بالتطعيم وغلي الماء وما إلى ذلك، ولكن لا يمكنك أن تتقي القنابل. - الرب واحد والعمر واحد. - إن مصيبة العمر أنه واحد، فلو كان اثنين لتشجعنا في واحد وجبنا في واحد (تبسم خفيف مشوب بمرارة).