وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة
لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
فهل هذا نقد تحليلي يراد به الإصلاح، أو هو سب جاهلي مركب كقولهم:
تميم بترك اللؤم أهدى من القطا
فإن سلكت سبل المكارم زلت
وهل ترى كاتبا عرض تفصيلا وتحليلا لحال الناس وبؤسهم وفسادهم، أو ترى أن أشجعهم جمجم ولم يفصح، وغمغم ولم يبن.
نعم قد تعرض لنقد الحالة الاجتماعية في عصره أبو العلاء المعري، ولكنه لم يحقق غرضنا من ناحيتين: من ناحية أنه فصل في تعديد نواحي الفساد، ولكنه لم يحلل كل ناحية كما ينبغي؛ قال بفساد القضاة وفساد رجال الدين وفساد الأمراء وفساد المرأة، ولكنه لم يحلل تحليلا تفصيليا نواحي هذا الفساد وأسبابه وجنايته على العالم؛ وله بعض العذر في ذلك؛ لأن الشعر لا يفسح المجال لهذا التحليل؛ ولو عالج هذه الموضوعات نثرا مرسلا لتأتى له ذلك. وثاني الأمرين في شعر أبي العلاء أن نزعته لم تكن نزعة إيجابية في الدعوة إلى الثورة وإصلاح الحال، ولكنها دعوة سلبية إلى الزهد وترك الدنيا. ونحن إنما ننشد العمل الإيجابي والإصلاح الإيجابي والانغماس في الحياة لمعالجتها لا الهروب منها. •••
إن المثل الأعلى لآداب الأمة يجب أن يكمل فيه النوعان من الأدب التركيبي والأدب التحليلي. والأدب العربي في حاجة إلى المزيد من الأدب التحليلي حتى يرقى فيه القصص والوصف الدقيق المفصل والنقد العميق الواسع ونحو ذلك. ولولا نزعة الجمود على القديم والالتزام الشديد للسير على مناهج الأقدمين، وتعمد المحدثين أن يصبوا الأدب في نفس القوالب التي صاغها الأقدمون لكان للأدب العربي شأن غير هذا الشأن.
إن الأمم الأخرى الحية وقفت زمنا مثل موقفنا، ولكنها بعد برهة تحللت منه، وجارت الزمان، وسايرت الأذواق، واستغلت الحياة الواقعية. لقد سيطر الأدب اليوناني والأدب اللاتيني على الحياة الأدبية الأوروبية كل السيطرة حينا من الزمان؛ وكان كل هم الأديب أن يحذو حذو الأدب اليوناني أو اللاتيني حذوا دقيقا، وكلما كان التقليد أتم كانت القطعة الفنية في نظرهم أجمل وأروع. وكان الناقد الأدبي إذا نقد قطعة أدبية قاسها بمقياس قربها من هذين الأدبين، فكلما قربت منه كانت أجود وأرقى، وكلما بعدت كانت أضعف وأسمج، شأنهم في ذلك شأننا مع الأدب الجاهلي.
ثم وقفوا بعد ذلك موقفا ينقصنا الآن، ذلك أنهم مخضوا الأدب اليوناني واللاتيني وأخذوا زبدتهما ورموا ثفلهما، وتناولوا هذه الزبدة فهضموها، وزادوا إلى طعامهم هذا - القديم في أصله، الجديد في استخلاصه - طعاما جديدا مشتقا من بيئتهم ومدنيتهم وحياتهم وأحداثهم وطبيعة أرضهم ونوع معيشتهم؛ فصنعوا من كل ذلك موائد مختلفة الألوان متعددة الطعوم تشتهيها أذواقهم وتستسيغها معدهم؛ وهذا ما ينبغي أن يحدث في أدبنا العربي حتى يحقق غايته.
| يوم في القاهرة
23 يونيه سنة 1940
كان الناس قديما يتشاءمون من نعيب البوم ونعيق الغراب، فحق لهم اليوم أن يجددوا فيتشاءموا من نعيق صفارات الإنذار. وأين البوم والغراب من صفارات الإنذار؟ لقد كان نعيب البوم نذيرا بخراب بيت أو موت فرد، وكان نعيق الغراب نذيرا بفراق حبيب أو رحيل قوم. أما صفارات الإنذار فنذير بحصد أرواح أو دك بنايات أو نسف ذخائر!
ومن الواجب أن يساير الأديب حالة الناس، فيشتق منها أدبه، ويجدد تشبيهاته واستعاراته، ويستعير منها خيالاته، وكما في مناظر الحرب من صور رائعة تهيج عواطف الأديب، وتحرك شاعرية الشاعر، وتمد قلم الناثر.
والناس مولعون - وخاصة في أيام الحرب - أن يقرءوا أخبار يومهم لا أخبار أمسهم، وأدب زمانهم لا أدب ما بعد من تاريخهم، ويجدون غذاءهم فيما يصور عواطفهم وخلجات نفوسهم ومناحي حياتهم وما يأتلف مع ظروفهم.
لقد أتتنا هذه الحرب بطائفة من الألفاظ والتعبيرات، كالتابور الخامس والدبابات والهابطات والكمامات وما إلى ذلك؛ وأتتنا بضروب من الأحداث الاجتماعية وصنوف من النكبات في الأنفس والأموال والثمرات، واضطربت نظم الحياة اليومية والسياسية والاقتصادية؛ فما أحرى ذلك كله أن يكون غذاء صالحا للأديب يستمد منه، ويعرض له، ويصدر عنه.