تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما نرى مظهر ذلك أيضا من باب تراجم الرجال، كالذي في الأغاني، ومعجم الأدباء، ووفيات الأعيان؛ فالناظر في كتب التراجم العربية يمتلئ إعجابا وروعة بعظم هذه الثروة وعمومها، وعناية جامعيها، وسلوكهم المسالك المختلفة في التراجم؛ ولكنه لا يعجب بها من حيث نظرها إلى المترجم كوحدة متماسكة ذات أجزاء مفصلة منسجمة، إنما هي حادثة هنا وحادثة هناك، وشيء في خلقه، بجانب شيء في شكله، ثم عودة إلى شيء في خلقه، ثم عودة إلى شيء في شكله، وحوادث جزئية جمعت حيثما اتفق، يحتاج الذي يريد الاستفادة منها أن ينظر إليها نظرا جديدا، ويرتبها ترتيبا جديدا، ويعمل فيها خياله ليكمل مواضع النقص فيها، ولم يأت هذا إلا بعد أن تثقفنا ثقافة جديدة فيها الكثير من منهج التحليل.

وما قيل في باب التراجم يقال مثله في كتب الأدب العربي: كالكامل، والبيان والتبيين ونحوهما، وكتب التاريخ: كالطبري، وابن الأثير. فعدم التزامها كلها منهج التحليل جعلها تعرض للأشياء والأحداث عرضا مبعثرا، وجعلها تستطرد استطرادا مفرطا، وجعلها أكداسا فيها الذهب والفضة والنحاس، وفيها الحب والتبن، وفيها غطاء الرأس بجانب نعل القدم؛ ولو اتبعت المنهج التحليلي لكان لها شأن آخر.

وكما نرى مظهر ذلك في وفرة الشعر الذي سار على نمط الشعر الجاهلي التركيبي من مدح وهجاء وفخر، وضعفه فيما احتاج إلى التحليل، كالوصف الدقيق المستقصي لمظاهر الطبيعة وتحليل النفس. •••

وقد يكون من الإنصاف أن نستثني بعض أدباء العرب، ولنمثل لذلك بأديبين في الأدب العربي، كان أدبهما أدبا تحليليا واضحا، وقد نبغا فيه نبوغا عظيما: أحدهما شاعر، والآخر ناثر؛ فأما الشاعر فابن الرومي، فهو في شعره يعرض للفكرة أو الصورة فيحللها ويفصلها ويولدها، حتى لا يدع لأحد بعده فيها قولا. وأما الكاتب فهو ابن خلدون في مقدمته، فهو يأتي بالنظرية العامة، ولا يزال يحللها ويضع فروضها ويقيم البراهين على صحتها، حتى يصل في ذلك إلى الغاية، شأنه في ذلك شأن الرياضي في التدليل على نظرية هندسية.

ولكن مع الأسف لم يكن أحد منهما زعيم مدرسة، وإنما كان معلما من غير متعلمين ومغنيا لغير سامعين. •••

إني أعتقد أن الأدب العربي مسئول إلى حد كبير عن انحطاط المسلمين في العصور الوسطى وما بعدها من الناحية الأخلاقية والاجتماعية.

فلما ساءت حالة المسلمين بعد العصر العباسي الأول، كان ينبغي أن يكون هناك أدب تحليلي وشعر تحليلي، يصف حال المجتمع السيئة وصفا دقيقا مستقصيا، ويشرح أسباب الفساد وعلله شرحا مستفيضا وافيا، ويرسم للناس المثل الأعلى الذي ينشدونه رسما دقيقا شافيا، ويحث الناس على أن يثوروا على من سبب ما هم فيه من مذلة وضنك وبؤس، وأن يبيعوا أرواحهم في سبيل تحقيق مثلهم؛ ولو كان ذلك لكف الظالمون عن الظلم، وعملوا على إصلاح الفاسد، وتحسين المجتمع؛ ولكن تعال معي نستعرض الأدب العربي من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، فهل ترى ثائرا ثار بأدبه على ظالم، وحلل موقف الناس في بؤسهم تحليلا دقيقا؟ وهل ترى أديبا وصف مجتمعه وصفا عميقا مستقصيا، يحرك النفوس؟ وهل ترى شاعرا رسم المثل الأعلى للحكام والمحكومين ودعا إليه؟

إني - مع الأسف - لا أجد شيئا من ذلك.

أجد الشعراء وشعرهم مملوء بالملق لكل خليفة، ولكل سلطان، وكل أمير؛ فهو الشمس، وهو القمر، وهو حاتم في الجود، وهو الأسد في الشجاعة؛ فأما ما أصاب الناس من ظلم على يديه، فقد ضاع في دراهم معدودة نالها منه الشاعر؛ ومن خرج على الخليفة أو السلطان هجاه هجاء جاهليا مركبا لا تحليليا مفصلا.

انظر إلى قول دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم:

ملوك بني العباس في الكتب سبعة

ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة

خيار إذا عدوا وثامنهم كلب

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٤٠