تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأدباء أنفسهم ينقسمون هذين القسمين، فأديب تغلب عليه نزعة التركيب وأديب تغلب عليه نزعة التحليل. •••

إن كان هذا صحيحا فيخيل إلي أن أكثر الأدب الجاهلي أدب تركيبي لا تحليلي، ويتجلى هذا في مظاهر مختلفة.

فإنا لو استعرضنا الشعر الجاهلي وجدنا أكثره يعني بتصوير الأشياء صورا عامة، ولا يعني فيها بالتفصيل والتدقيق، وأروع شيء فيه جمال الاستعارة والتشبيه؛ وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا كله من قبيل الأدب التركيبي، وأشهر أبوابه فخر ومديح وهجاء، وقد عرضت بشكل عام تركيبي، فهي في الأغلب فخر ومدح وهجاء للقبيلة جاءت في معان عامة مركبة؛ فخير المدح المدح بالكرم والشجاعة من غير تحليل لجزئيات؛ من خير أنواع المدح المدح بالمروءة وهو لفظ عام غير محدود، ومن شر أنواع الهجاء الهجاء باللؤم، وهو كذلك لفظ غير محدود. ونستعرض باب الصفات - وكنا نظن أن هذا باب يتأتى فيه التحليل الدقيق - فلا نجد تحليلا ولكن نجد وصفا مركبا.

نعم نجد قطعا متفرقة هنا وهناك فيها وصف تحليلي كوصف المنخل اليشكري:

ولقد دخلت على الفتا

ة الخدر في اليوم المطير

الكاعب الحسناء تر

فل في الدمقس وفي الحرير

فدفعتها فتدافعت

مشى القطاة إلى الغدير

ولثمتها فتنفست

كتنفس الظبي الغرير

فدنت وقالت يا منخ

ل ما بجسمك من حرور

ما شف جسمي غير حب

ك فاهدئي عني وسيري

ووصف بعض أحداث لامرئ القيس، ولكنها ليست كثيرة في الأدب الجاهلي. إنما الكثير الغالب الأدب التركيبي، وحتى هذه الأمثلة التي ذكرت من الأدب التحليلي ليست طويلة النفس ولا مستقصية التحليل. •••

جاء الأدب العربي فتأثر كل التأثر بالأدب الجاهلي، فكان أكثره أدبا تركيبيا لا أدبا تحليليا، ونستعرضه فنرى أن فيه كل مزايا الأدب التركيبي وكل العيوب الناشئة من قلة الأدب التحليلي.

نرى الأدب العربي قد نبغ نبوغا عظيما في باب الأمثال والحكم، حتى قل أن يساويه في ذلك أدب، لأن ذلك نتيجة حتمية للأدب التركيبي، فهي تجمع التجارب وتركزها في جملة موجزة قوية جميلة؛ وكان من نبوغهم في هذا الباب وإعجابهم به أن نقلوا حكم اليونان إلى العربية، مع أنهم أوصدوا الأبواب في وجه الأنواع الأخرى من الأدب اليوناني. وكان سيرهم في هذا الباب احتذاء لما فعل زهير بن أبي سلمى في حكمه المشهورة. وكان من نبوغهم في الأدب التركيبي أيضا ولوعهم الشديد بالجمل القصيرة القوية، حتى لتكون الخطب والكتب في كثير من الأحيان عبارة عن جمل قصيرة مركزة محكمة، كالذي نلاحظه في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وكخطبة زياد وخطبة الحجاج. ولو تناول الأدب التحليلي كل جملة من هذه الجمل لصاغ منها صفحات؛ ونرى لهذا صدى في علم البلاغة العربية، فإنهم عنوا بالإيجاز أكثر من عنايتهم بالإطناب، وأعجبوا بجوامع الكلم أكثر من إعجابهم بالكلام الطويل المنبسط. بل إن بعضهم كأبي هلال العسكري فهم أن الإطناب تكرار المعاني وطول الألفاظ، وقال: «إن كتب الفتوح وما يجرى مجراها مما يقرأ على عوام الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبا فيها»، فكأنه يريد أن يجعل الإطناب أدب العامة والإيجاز أدب الخاصة.

وألف العرب هذا النوع من الإيجاز في التعبير، حتى عدوا عبد الحميد الكاتب الفارسي الأصل آتيا بجديد عندما فصل في كتابته وأطنب. •••

وكما أن في الأدب العربي مزايا الأدب التركيبي، ففي معظمه عيوب نقص الأدب التحليلي.

نرى مظاهر ذلك في ضعف القصة، وقد أشرت قبل إلى بعض أسباب هذا الضعف، وأزيد هنا هذا السبب، فإن القصة تحتاج بجانب الخيال الواسع إلى إطناب في الوصف، وتحليل للموقف وإجادة للعرض المفصل؛ ولذلك كان أكثر القصص العربي البحت - كالذي روي في العقد والأغاني عن الأدب الجاهلي وأيام العرب ونوادر المجان والممرورين - موجزا قصيرا يتفق وذوق العربي في حبه الإيجاز، وميله للتركيز والتركيب. أما ما عدا ذلك من قصص مطولة كألف ليلة وليلة، فليس من أصل عربي، أو هو من الحكايات الشعبية، لا من الأدب الرسمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣٩