تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما يكون ذلك كله يوم نزن الأدب العربي ككل أدب بموازينه الصحيحة من غير عصبية، ونصرح بالنقص في غير خجل، ونبني الجديد في غير هوادة، ونكسر قيود القديم في غير رفق. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

5

يقسم علماء المنطق العمليات العقلية إلى نوعين، عملية تركيبية وعملية تحليلية، ولهذا نظائر في الحسيات؛ فإذا أنت ألفت من ورد وفل وياسمين ونرجس ومنثور وبنفسج طاقة أزهار، فهذه عملية تركيب؛ وإذا أنت فرقت هذه الطاقة، وجعلت الورد وحده والفل وحده والنرجس وحده. فهذه عملية تحليل؛ وإذا ألفت من أكسجين وإيدروجين ماء، فهذه عملية تركيب، فإذا حللت الماء إلى عنصريه فهذه عملية تحليل.

وفي النحو - مثلا - بناء الجمل من ألفاظ، أو الفقرة من جمل، أو الفصل من فقر، عملية تركيبية. وتحليل الفصل إلى فقر، والفقرة إلى جمل، والجملة إلى ألفاظ، عملية تحليلية.

وفي البلاغة - مثلا - عملية التشبيه والاستعارة عملية تركيبية؛ لأنه يراد منها ضم شيء إلى شيء والحكم عليهما حكما واحدا من إحدى الجهات، ومثل ذلك الموازنة في باب الأدب. •••

ويخيل إلي أن الأمم في بدء أمرها أميل إلى التركيب منها إلى التحليل؛ لأن التحليل يتطلب دقة وحصافة، وخلقا علميا أكثر مما يتطلبه التركيب؛ والعقل البدائي يسرع في التركيب فيخطئ في الحكم؛ لأنه يكفي أن يرى حادثة تحدث مع حادثة أخرى، فسرعان ما يعقل علاقة بينهما ويعممها من غير تدقيق؛ فيرى الجاهلي - مثلا - حادثة شفاء من كلب ارتبطت بدم ملك، فيعمم الحكم بأن دم الملوك يشفي من الكلب؛ أو يرى حادثة حدثت اتفاقا في أن نوعا من الشجر اسمه العشر احترق وذيل البقر، فأمطرت السماء، فيعمم ارتباط هذا الحادث بالمطر، ويستسقي المطر بتكريره، وربط العشر في أذناب البقر وإشعال النار فيها، وهكذا.

ومن أجل هذا كثرت الأساطير والخرافات بين الأمم في حالة بداوتها؛ لأنها أسرعت في التعميم من غير تحليل دقيق وامتحان لربط الحادث بالحادث.

وهذا ما حدث عند العرب في جاهليتهم، وحدث عند اليونان في جاهليتهم، فلما جاء فلاسفة اليونان كأرسطو، رأوا أكداسا من الأحكام العامة الباطلة، وأكداسا من الاعتقادات بارتباطات بين الأشياء زائفة، وأساطير تعمم في غير دقة؛ فوضع أرسطو قواعد وقيودا للتعميمات، كمطالبته بالاستقراء التام قبل التعميم، ونحو ذلك، ولا يزال علماء المنطق إلى الآن يجدون في وضع الشروط الدقيقة لصحة التعميم. •••

يظهر لي أن هناك نوعين من الأدب متميزين كل التميز: أدب تركيبي وأدب تحليلي؛ فالقصة التي تصف وصفا دقيقا حال عاشقين، وما ينتابهما من عواطف مختلفة، وما يعرض لنفوسهما من مواقف متباينة، وما يجري بينهما من أحاديث تتفق مع كل موقف، وما يبدو من تصرفات متناقضة تبعا لتناقض العواطف ونحو ذلك، أدب تحليلي؛ والمقالات الاجتماعية تعرض لشرح حال أمة في موقف خاص من مواقفها، وتصف المرض وصفا دقيقا، وتضع العلاج في دقة وإحكام، أدب تحليلي؛ وقصيدة الشاعر يصف منظرا طبيعيا، ويحلل موقف المنظر من نفسه وموقف نفسه منه، أدب تحليلي؛ ومقال الناقد يعرض للكتاب أو المقال المنقود. فيميز ما هو أساسي منه، وما ليس بأساسي، ويتبين أغراضه ومراميه، ثم يحلل هذه الأغراض ويبين ما فيها من ضعف وما فيها من قوة، أدب تحليلي، وهكذا.

والخطبة الوطنية العامة في تمجيد القومية والوطنية من غير بحث مسألة خاصة، أو دعوة إلى منهج وطني معين، أدب تركيبي، والمقالة الأدبية التي ليس فيها فكرة أو فيها أفكار عامة، وكل جمالها في تشبيهها واستعارتها وسجعها وبديعها، أدب تركيبي؛ ومقال الناقد يبني مقاله على أن الكتاب أو المقال المنقود يعجبه أو لا يعجبه، وأنه ينطبق أو لا ينطبق على أصول الفن المتعارفة، أدب تركيبي، وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣٨