أعتقد أن من أهم الأسباب في ذلك أنه لو كان حملة لواء الأدب في العصر العباسي عربا خلصا لسمحوا للآداب الأخرى أن تعرض عليهم، ولأخذوا منها ما تستسيغه أذواقهم، وتجيزه مداركهم؛ ولكن كان أكثر حملة لواء الأدب أعاجم استعربوا. والأعجمي إذا استعرب كان قصارى همه وغاية كده أن يصل في فنه إلى العربي الأصيل، ولا تحدثه نفسه أن يبتكر في القديم، أو يجدد في الشيء الأصيل. أترى المصري - مهما بلغ في إتقان اللغة الإنجليزية - تحدثه نفسه أن يبتكر في الشعر الإنجليزي؟ أو الشامي مهما بلغ في إجادة اللغة الفرنسية أن يبتكر في الشعر الفرنسي؟ إنما يبتكر في الإنجليزية والفرنسية الإنجليزي الأصيل والفرنسي الأصيل؛ لأنه من الناحية النفسية لا يشعر فيها بعجز طبيعي، فكذلك الشأن في العربي الأصيل والأعجمي الحامل لواء العربية في العصر العباسي، وهناك من غير شك أسباب أخرى تخرج بنا عن موضوع مقالنا. •••
أما بعد، فكل قارئ كريم يلحظ ما أردت من معالجة في هذا الموضوع.
أرادت أن يتحرر الأدب من قيوده التي تثقله، وأن يكون الحكم في أدبنا أذواقنا لا أذواق غيرنا؛ فخير بيت عندي ما تذوقت أنا أنه خير بيت، لا مال قال فلان - ولو كان عظيما -: إنه أفضل بيت.
وأن يكون أدبنا معتمدا على شيئين: خير ما في الماضي مما يتناسب وحاضرنا ويبعث على تحقيق أملنا في مستقبلنا. ودراسة حاضرنا واشتقاق أدبنا منه، لا أن نعيش في أدبنا على الماضي وحده، وعلى الماضي الذي لا يتناسب وحاضرنا؛ فإننا إن فعلنا ذلك كان أدبنا وقفا على طائفة الخاصة فينا، وغزا أبناءنا في المدارس وجمهرة المتعلمين منا الأدب الأوروبي الحديث، وأصبح الأدب العربي لا حياة له إلا في مناهج المدارس وأسئلة الامتحانات وفئة قلية جدا من المتخصصين؛ وفي هذا أكبر إجرام على الأدب العربي.
أريد أدبا عربيا يلذه الطفل في مدرسته، والبنت في مطالعتها، والشاب في غذائه العقلي والروحي، والكهل الناضج، والفتى الغر.
أريد أدبا عربيا يشاهده النظارة في السينما ودور التمثيل، يعرض لحياتهم اليومية وأحداثهم التاريخية ، ويصور حياتهم الاجتماعية.
أريد أدبا عربيا يعرض لأسرنا وحياتنا العامة والخاصة ونفوسنا وخلجاتها، فيضع في ذلك قصصا رائعا وشعرا بديعا، ويهز نفوسنا ويلمس مشاعرنا، ويحركها نحو مثل أعلى ننشده ونسعى إليه.
أريد أدبا عربيا يشعر كل فرد من أبناء العرب بجمال طبيعته، ويهز قلبه لإدراك الجمال الطبيعي والجمال الصناعي، فيرقى حسه وترهف نفسه، ويحركه ذلك إلى أن يكون جميلا في سلوكه جميلا فيما يصدر عنه؛ ليؤلف مع ما يشعر به من جمال نغما متناسقا وتوقيعا متناغما.
أريد شعرا عربيا يغنيه المغني فيمثل ما في نفسه الحاضرة من حب ووطنية وإنسانية ومعان مستحدثة ومواقف مستجدة، ويتمثل به المرء في شتى عواطفه ومختلف شئونه.
أريد شعرا عربيا ينشده الأطفال في رياض مدارسهم، والشبان في ألعابهم، والجنود في معسكراتهم، والأسرة المتدينة في صباحها ومسائها، والفتاة في تغذية آمالها.
ولا يتم شيء من ذلك إذا نظرنا إلى الخلف دائما، ولا يكون شيء من ذلك إلا إذا كسرنا عمود الشعر الذي وضعه الأدب الجاهلي، وجعلنا بدل العمود الحجري شجرة تنبض بالحياة، يكون أحد فروعاها فقط الشعر الجاهلي، وأهم فروعها نتاج حياتنا الواقعية، وآمالنا المستقبلة. ولا يكون شيء من ذلك ما دمنا نعد البيت الجاهلي خير الأبيات، ولو كان سخيفا، وخير القصص القصص القديم؛ لأنه ورد في الكتب القديمة، وأحسن الأبيات في الغزل ما استحسنه ابن الأعرابي. ولا يكون شيء من ذلك ما دمنا نوقع الأنشودة القديمة: «إن الأدب العربي كامل ليس فيه نقص، وقوي لا يشوبه ضعف، وبناء مكتمل لا يحتاج إلى علو، ومتين الأساس لا يحتاج إلى دعامة».