تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء «المعري» فأراد أن يحول الشعر على غذاء عقلي ونقد اجتماعي، وينفخ فيه من روح فلسفي، فقالوا: إنه فيلسوف لا شاعر، وإنه في «سقطه» أشعر منه في «لزومياته»، وأخيرا سار في طريقه وحده. •••

ثم جاء القرآن فغير العقلية العربية، ورفع النظر من الأرض إلى السماء، وإلى ما فوق السماء، وعلم الناس أن يقرءوا كتاب الطبيعة في فصوله المختلفة من إنسان ونبات وجبال وسحاب وأمطار ونجوم وسماء، وأن يقرءوا ما بعد الطبيعة من إله فوق العالمين، هو نور السماوات والأرض، وكشف عن العيون غطاءها، فأصبح بصرها حديدا؛ فنظرت إلى العالم من طيارة، بل من أعلى من الطيارة، ورأته وحدة متناسقة الجزاء تخضع كلها لإرادة الله. وأعلن الثورة على النظرة المادية الأرضية التي كان ينظر بها أهل الجاهلية؛ فكانت كل ضربة بالمعول في صنم ثورة على ذلك النظر، ودوت كلمة لا إله إلا الله في جزيرة العرب تعلن ضياع الوثنية وعبادة المادية؛ فلا لات ولا عزى، ولا بعل ولا هبل.

وكان للقرآن بجانب ناحيته الدينية ناحية أخرى أدبية، فهو في تعبيراته وتشبيهاته يتناسب كل التناسب مع دعوته، يعالج شئون الأرض ويرتفع بالنظر إلى السماء، وهو في تعبيره وتشبيهه ومجازه كذلك لا يقتصر على التعبير المادي، ولا التشبيه المادي كالذي كان في الجاهلية، بل وجه النظر إلى المعاني أيضا في كل ضروب بيانه.

وأتى بنوع من القصص بديع في تصويره وتعبيره، وجعله يخدم غرضه في وعظه وإرشاده.

ورفع شأن المرأة فجعلها إنسانا عدلا للرجل لا ملهاة له، لها كل حقوق الرجل وعليها واجباته، تحاسب على عملها كما يحاسب الرجل، وتدعى إلى جلائل الأعمال كما يدعى الرجال.

كان في القرآن كل هذا وأكثر من هذا، وكان من المعقول أن يتغير نظر الشعر في الإسلام كما تغيرت العقائد، وأن يرتفع نظر الشاعر الإسلامي ارتفاعه في عقيدته، وأن يكون له جانب روحي كجانبه المادي، وأن يستغل قصص القرآن فيقص هو ولو في اتجاهات أخرى، وأن يرى القرآن يدعو إلى العزة فيكف عن المبالغة في المديح، وأن يرى القرآن يدعو إلى عفة اللسان فيتحرج من الإقذاع في الهجاء، وأن يرى القرآن يرفع شأن المرأة فتعظم في شعره، ويسمو أحيانا من الكلام في جسمها إلى الكلام في روحها.

فإن لم يجب أن يتغير الشعر الإسلامي كل التغير، فلا أقل من أن يجعل الشاعر الإسلامي له مصدرين: مصدر الشعر الجاهلي لاستغلاله خير ما فيه، ومصدر الإسلام لاستلهامه وتعديل منهاجه في شعره.

ولكن تعال معي ننظر ماذا كان؟ كان أن الشعر الإسلامي لم يتخذ له إماما غير الشعر الجاهلي؛ فقالبه قالبه، وموضوعاته موضوعاته، وماديته ماديته، وتشبيهاته من جنس تشبيهاته

4 ؛ وإن كان هناك جديد فجدة في العرض لا في الجوهر، وفي الشكل لا في الأساس، في رقة اللفظ بدل الخشونة، وفي تحوير المعنى لا في خلقه، وفي تقصير الأوزان الشعرية أو تحويرها تحويرا خفيفا لا في تجديدها، وفي اقتباس بعض التشبيهات من أدوات المدنية لا في التحليق في جو جديد، وهكذا.

قد تقول: إن القرآن ليس شعرا، وإمام الشعر يجب أن يكون شعرا، ومصدر الشعر يجب أن يكون شعرا، ولم يكن إمام الشعر الإسلامي إلا الشعر الجاهلي، فطبيعي أن يقلده لا غيره.

ولكن هذا صحيح في الطبيعة القاصرة والملكات المحدودة، أما الطبيعة النابغة والملكات المبتكرة فتستمد فنها من كل شيء؛ من خرير الماء، وصفير الهواء، وحركات النسيم، وتموجات البحر، وتوقيعات الموسيقى، وأحاديث العامة، وجدال الخاصة، وأضاحيك المغفلين والماجنين وأقول الفلاسفة وخاصة المفكرين؛ فكيف لا تستطيع أن تستفيد من القرآن لأنه نثر، إلا أن يكون مرض الكسل والهرب من مشقة الابتكار؟ •••

وقريب من هذا في باب الغرابة أنه لما اختلط المسلمون بالأمم الأخرى في العصر العباسي، وعرضت عليهم آثار الأمم وخاصة اليونان، نقل الناقلون إلى اللغة العربية فلسفة اليونان وطبهم وجغرافيتهم ورياضتهم وهندستهم؛ ولكنهم لم ينقلوا أدبهم ولا شعرهم ولا قصصهم ولا تمثيلهم؛ فكان موقفهم غريبا، إذ سمحوا للعقل أن يتغذى بأنواع أخرى من الغذاء، ولم يسمحوا للعاطفة أن تتغذى بأنواع أخرى من الفن! بل أمعن في باب الغرابة أن يسمحوا بنقل نظريات فلسفية تتعارض في صميمها مع الدين الإسلامي، ولم يسمحوا أن ينقلوا ضروبا من الشعر والأدب اليوناني لا تتعارض مع الإسلام في شيء! ولقد كان يكون في هذا التصرف بعض العذر، لو أن منبعهم في الشعر الذي يستقون منه منبع إسلامي، أما ومنبعهم الوحيد هو الشعر الجاهلي الوثني بما فيه من لات وعزى، وخمر وميسر، وشرك وأوثان. فالأمر جد غريب !

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣٦