تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم لكل أمة أساطير تدور حول عقائها وتقاليدها وأحداثها وتاريخها، وتختلف فيما بينها بقوة خيالها أو ضعفه، وإحكام نسجها أو هلهلته. وكان للعرب الجاهليين أساطير من هذا القبيل؛ والذي يمعن النظر في أساطيرهم يراها أيضا تكاد تكون مادية أرضية لا تبعد في الخيال ولا تسبح في السماء، تدور حول المعمرين الذين عمروا مئات السنين، أو حول الجن وقد جسدوها في حية أو نعامة أو قنفذ أو أرنب أو حيوان خرافي كالغول، أو حول المسخ، أو كالذي زعموا أن الضب والكلاب والأرانب كانت أمما فمسخت، وأن الصفا والمروة كانا رجلا وامرأة فمسخا، أو حول النجوم كالذي زعموا أن الغميصاء وسهيلا كانا مجتمعين فانحدر سهيل فصار يمانيا وتبعته العبور فعبرت المجرة، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت «وأن الزهرة كانت امرأة حسناء فصعدت إلى السماء ومسخت كوكبا» إلى غير ذلك من الأساطير، وكلها تدل على ضرب من الخيال محدود.

والأساطير في الأمم مصدر كبير من مصادر الأدب القصصي، فلما ضعف الخيال القصصي تبعه بعد ضعف القصص العربي. •••

رأينا من كل هذا أن الأدب الجاهلي كان يساير الدين الجاهلي إلى حد بعين، وأنه كان يقف في المستوى الذي وقفه الدين، وأن الدين كان ماديا أرضيا، فكان الأدب ماديا أرضيا كذلك.

ومن الواضح جدا أن الشعر العربي اتخذ قبلته الشعر الجاهلي قبل أي شيء آخر؛ وأوضح الأدلة على ذلك ما هو مدون في كتب الأدب وخاصة في باب السرقات والموازنات؛ فنجد فيها أن المعاني الأساسية للشعر الجاهلي اتخذت أساسا سار على نهجها الشعراء الإسلاميون، فحوروا بعض معانيها مع احتفاظهم بالأساس، أو حافظوا على جوهر وغيروا الشكل؛ مدح الجاهليون بالشجاعة والكرم، فكان أكثر المدح الإسلامي بالشجاعة والكرم، حتى الملوك والأمراء الذين يجب أول كل شيء - أن يمدحوا بالعدل قل أن يمدحوا بالعدل؛ لأن الجاهلي مدح بالشجاعة والكرم. وقال امرؤ القيس:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

لدى وكرها العناب والحشف البالي

وقال:

كأن عيون الوحش حول خبائنا

وأرحلنا الجذع الذي لم يثقب

وقال:

وقد أغتدى والطير في وكناتها

بمنجرد قيد الأوابد هيكل

فأصبحت هذه وأمثالها مصدرا للكثير من الشعر العربي، ورددوها وكرروا حتى صدعوا. وكما قال ابن سعيد: «وهذه المعاني ولد منها شعراء المشرق والمغرب وتطارحوا في الأخذ منها»، وصار لكل شاعر من شعراء الجاهليين أبيات معدودات، ومعان محدودات، يعرفها العلماء بالأدب، هي الإمام في الفن وهي التي حددت القوالب التي يصب فيها الشعر العربي - أصبح امرؤ القيس إمام الشعراء في التشبيهات، والنابغة في الاعتذارات، والأعشى في الخمريات. إلخ.

ولقد أنصف العلماء إذ سموا المنهج الذي سار عليه الشعر العربي «عمود الشعر»، وفي الحق أنه متحجر، لم يلن ولم يتغير.

ومن أشد دواعي الأسف أن الزمان قد سمح بمن خرج عن هذا العمود أحيانا وأراد أن يبني عمودا آخر، أو أراد أن يغير العمود إلى شجرة تنتج فروعا جديدة، فسمح قوله ولم يتبع، وصفق له بعض الناس ولم يقلد، والتف الناس حول عمود الشعر، وعمود الشعر وحده.

لقد ابتدع عمر بن أبي ربيعة فن القصص الشعري وأتى فيه بالمرقص المطرب، ثم مات ولم يعقب.

وجاء أبو تمام فأبعد في الخيال وغاص على المعاني وعرضها بأسلوب فيه جدة، فقام علماء اللغة والأدب في وجهه وفضلوا عليه البحتري لالتزامه عمود الشعر فماتت طريقته من بعده.

وجاء ابن الرومي فابتدع توليد المعاني وتبسيطها، واستخرج ما فيها إلى النهاية كما اخترع الهجاء اللاذع بالتصوير الفكه وبالفن الذي يشبه الفن اليوناني؛ وتعصب له قوم من القدماء فقالوا: «إنه أحق الناس باسم شاعر لكثرة اختراعه وحسن توليده»، ولكن مات فنه بموته وبقي عمود الشعر، وعمود الشعر وحده.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣٥