تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجل هذا نرى الأدب الجاهلي في الكثير الأغلب ماديا، لا معنويا ولا روحيا.

فمن مظاهر ذلك ناحية التشبيهات والاستعارات في الأدب الجاهلي، فهي أدل ما تكون على ضعف الخيال أو قوته، فإذا استعرضناها وجدناها مادية لاصقة بالأرض في الأعم الأغلب، فالجاهلي يشبه الحيوان بحيوان مثله، فيشبه الناقة بالظليم، أو بالثور الوحشي، أو بالنعامة، أو بالأتان، ويشبه امرؤ القيس الفرس بجلمود صخر حطه السيل من عل، والنجوم بالمصابيح، وبعر الآرام بحب الفلفل، وفرع الشعر بقنو النخلة المتعثكل؛ ويشبهون السنام بقنطرة الرومي أو بالقصر؛ والسيد العظيم بفحل الإبل، والنساء ببيض النعام، والحرب وما يحلب منها من دماء بالناقة يحلب منها اللبن، أو بالناقة تحمل ثم ترضع ثم تفطم، ومثل هذا كثير؛ وكل الشواهد تشهد بما نقول من ولوعها بالتشبيه المادي الأرضي؛ وقل أن تجد لهم تشبيها سماويا أو معنويا، كما فعل غيرهم من تشبيه سرعة الفرس بالبرق، أو تلألؤ السيف بلمعان الشهب، أو جري الفصيل إلى أمه بدبيب الخيال إلخ. وهكذا كانت تشبيهاتهم مادية أرضية من جنس دينهم المادي الأرضي.

لقد كان اليونانيون وثنيين كالجاهليين، ولكنهم رفعوا آلهتهم من الأرض إلى السماء، ومنحوها الحركة والحياة، وجعلوا للحب والجمال والشعر آلهة، وجعلوا «أفروديت» تخلق من أمواج البحر وأولدوها إله الحب، وجعلوا له جناحين ذهبيين، وجعلوه يحمل سهاما حادة، ومشاعل ملتهبة، ونسجوا حول آلهتهم أساطير في منتهى الخصب في الخيال، والبعد في السماء، والحركة في الحياة؛ وظلت هذه الخيالات والأساطير تسير سيرها وتعمل عملها في الحياة اليونانية، حتى حولها الأدب إلى قصص وتمثيل، وحولها العقل إلى فلسفة. •••

ومظهر آخر من مظاهر المادية الأرضية في الأدب الجاهلي، وهو شعرهم في المرأة؛ نعم قد أكثروا من الغزل والنسيب، وافتتحوا به قصائدهم في كل غرض من أغراض الحياة ؛ ولكن أعمل النظر في أشعارهم، وأطل التفكير في غزلهم، تجد أنهم لم ينظروا في المرأة إلا إلى جسمها؛ لقد أدركوا تمام الإدراك جمالها الحسي، ولكنهم لم يدركوا جمالها الروحي، أولعوا بقدها الممشوق، وعيونها الدعج، ووجهها الوردي، وخصرها النحيل، وردفها الثقيل، وما شئت من أعضائها وأجزائها؟ فأما روحها السماوي، وجمالها الروحي، وتعشق روح الشاعر لروحها، والشعور بأنها مصدر وحيه وإلهامه، فشيء لم يستطع إدراكه الشعر الجاهلي.

لقد نظر الشعراء الجاهليون إلى المرأة كما ينظرون إلى لحم الجزور، وكأس الخمر، هي متعة جسمية لا غير؛ واستفتح هذه الآراء امرؤ القيس بقوله:

كأني لم أركب جوادا للذة

ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال

ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل

لخيلي كرى كرة بعد إجفال

وقوله:

وبيضة خدر لا يرام خباؤها

تمتعت من لهو بها غير معجل

فسار الشعراء على أثره يتخذون المرأة ملهاهم، ويقرنونها بالفرس والكأس. حتى وصل الأمر بأبي تمام في العصر العباسي إلى أن يقول:

كانت لنا ملعبا نلهو بزخرفه

وقد ينفس عن جد الفتى اللعب

استقر الشعر الجاهلي ما شئت، واستقر ما جرى على أثره من بعد، تلمس دائما شيئين واضحين في أدب المرأة: العناية بتشبيه أعضائها وأجزائها؛ فترائبها مصقولة كالسجنجل، وجيدها كجيد الريم، وفرعها كقنو النخلة، وكشحها مصقولة كالجديل، وساقها كأنبوب السقى، وهي تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل، ووجهها كأن الشمس ألقت رداءها عليه، وأسنانها كالأقحوان ... إلخ إلخ. هذه هي المرأة في ذاتها، أما موقفه منها فالمتعة واللهو إن استطاع، واللذة بذكرى المتعة، أو الألم من حرمانها، ثم لا شيء وراء ذلك.

إني لأفهم أن يكون ذلك بعض الأدب وبعض وجوه النظر إلى المرأة، أما أن يكون ذلك كل الأدب النسوي فشيء يدعو إلى الخجل! إن وراء هذا النظر المادي الأرضي نظرا آخر روحانيا سماويا، فيه المرأة ملك كريم، وفيه المرأة مصدر وحي وإلهام، وفيه المرأة قلب؛ وحول هذا كله ينشأ أدب من طراز آخر، فيه العواطف السامية، والمعاني الراقية، وهذا ما لم نجده في الشعر الجاهلي، وقل أن نجده في الشعر الإسلامي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣٤