ولكن وجد الشاعر الجاهلي - مع الأسف - في ظروف جعلته لسان القبيلة، وكان مع الأسف الأشد أن تتابع الشعراء على هذا النمط لم يتعدوه؛ يختلف معاوية وعلي، فيكون لهذا شعراء؛ ولهذا شعراء، ويختلف عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير، فينقسم الشعراء فيما بينهم قسمين، كما كانوا يختلفون أيام القبائل، وتأتي الدولة العباسية فقل أن ينبغ شاعر إلا في البلاط، ويقبل المعتصم على الأفشين، فيسخر أبو تمام شعره لمدح الأفشين، ويغضب المعتصم على الأفشين فيسخر أبو تمام شعره لهجاء الأفشين، وهكذا.
أما التغني بالطبيعة وجمالها، وإدراك المعاني السامية للحياة والتعبير عنها، ونحو ذلك من ضروب الفن، فأكثرهم عنه في شغل بعبادة السلطات واتجاههم حيثما توجههم.
لم يتغير هذا الموقف في الشعر العربي إلا منذ سنوات، فأخذ الشاعر يشعر بنفسه، ويشعر لنفسه ولقرائه، ولكنه لا يزال في مفتتح الطريق - وفقه الله.
4
كان العرب في جاهليتهم، منحطين في عبادتهم، فعبدوا الأحجار من دون الله، وقال واصفهم: «كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حفنة من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به». وقال آخر: «كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده؛ وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم نرميه».
وإذا رأوا حجرا فعلت فيه الطبيعة فعلها حتى جعلت منه شبيها بالإنسان، كانوا له أكثر تقديسا وأحر عبادة، فكانوا يعبدون حجرا «كجثة الرجل العظيم وهو من صخرة بيضاء، لها رأس أسود، وإذا تأملها الناظر رأى فيها صورة وجه الإنسان». وكانت طيئ تعبد «القلس» «وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم - الذي يقال له: أجا - أسود كأنه تمثال إنسان، وكانوا يعبدونه ويهدون إليه ويعقرون عنده».
ودعاهم إلى ذلك أن لم تكن لهم مهارة فنية يستطيعون بها أن يتقنوا النحت وصناعة التماثيل، فكانوا يتلمسون ما تخرجه الطبيعة من فن فيعبدونه، كحجر أبيض جميل، أو شبه تمثال، أو شبه صنم؛ فما كان عندهم من تماثيل متقنة فمجلوبة من الخارج - غالبا - فيذهب بعضهم إلى أن «يغوث» كان على صورة الأسد، وأنه مجلوب من مصر، وأن بين آلهة المصريين صنما على صورة الأسد اسمه «يغنوت» إلخ.
وكما عبدوا الأحجار عبدوا الحيوان، قال ابن عبد البر: «إن العرب كانوا يأتون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيأخذها، فيأخذون أخرى مكانها»، ولما وفدت طيئ على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال لهم: «إني خير لكم من العزى ولاتها، ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله». ولما أغار عمرو بن حبيب على بني بكر وجدهم يعبدون سقبا من دون الله، فأراد إغاظتهم فنحره وأكله. وكانت لهم أصنام على شكل حيوان جلبوها من الخارج، على شكل أسد ونسر وفرس ويربوع.
فإذا ارتقوا من الحجر والحيوان عبدوا تمثال إنسان، فعبدوا «أسافا ونائلة» «وهما - فيما ذكروا - صنمان، زعموا أنهما رجل وامرأة من جرهم فجرا في الكعبة فمسخهما الله حجرين». ولست أدري ما حملهم على عبادتهما مع شنيع فعلهما، وهما إن استحقا شيئا فالرجم لا العبادة.
وعبدوا اللات والعزى، واختلفت الأقوال فيهما، فمنهم من قال: إنهما صنمان لرجلين صالحين كان أحدهما يلت السويق للحجيج.
فإذا ارتقوا خطوة أخرى عبدوا النجوم كالشمس والمشترى والشعرى، ولكنهم نظروا إليها في عبادتهم نظرة مادية جامدة. •••
سقنا هذا لنبين أن العرب في جاهليتهم كانت نظرتهم الدينية نظرة وثنية مادية وضعية.
وللدين أثر كبير في الأدب؛ لأنه - من ناحية - مصدر كبير من مصادر الإلهام الأدبي، ومن ناحية أخرى إذا كان الأديب ذا دين مادي وثني جامد، تأثر أدبه بعقليته، فخرج مثله ماديا جامدا، وإذا كان دينه ضيق الخيال لاصقا بالحجارة والأرض، كان خياله في أدبه غالبا كذلك؛ لأن نفسية الإنسان وعقليته وحدة لا تتجزأ، وإن اختلفت مناحيها ومظاهرها.