تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كانت الأندلس أغنى بقاع المسلمين منظرا وأوفرها جمالا؛ أبدعها الخالق أيما إبداع، وصاغها خير صياغة، ولونها أجمل الألوان، فلا يستطيع من رآها إلا أن يغني، ولا من شاهدها إلا أن تفتنه. ومن الحق أن شعراءها غنوا أكثر من غيرهم، وتفننوا في ذكر محاسن الطبيعة أيما تفنن، ونبغ فيهم أمثال ابن خفاجة الملقب بشاعر الطبيعة، ولكني لا أكتم القارئ أني قرأت كثيرا من شعره وشعر غيره من الأندلسيين، فكان شعوري نحو شعرهم أنهم أجادوا الصياغة ولم يوفقوا أن ينفخوا فيه الروح، شعرهم تمثال بديع لا حياة فيه إلا في القليل النادر، شعرهم من رأسهم لا من قلبهم، أكثر جهدهم موجه إلى البحث عن تشبيه رائع واستعارة بديعية تعجب علماء البيان، لا نتيجة شعور يتدفق، يريد أن يحتضن الطبيعة لجمالها، ولا هو صرخة إعجاب خرجت من أعماق القلب في بساطة فطرية، ولا هو تمجيد للجمال وتقديس لمناظره يخر أمامه الشاعر ساجدا، ولا هو إحساس من الشاعر باندماج الطبيعة في نفسه واندماج نفسه في الطبيعة حتى كأنه هو وهي أو هي وهو، وحدة لا انفصام لها كالذي قال الحلاج:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرته أبصرتني

وإذا أبصرتني أبصرتنا

كلا، ولا هو شعور بحياة الطبيعة وقوتها ونبضها كما ينبض القلب، ولا هو شعور الظمآن يريد أن يرتوي ولا يرويه إلا جمال الطبيعة ثم هو يعل منه وينهل، وكما عب ازداد لذة وازداد ظمأ.

لا شيء من ذلك، وإن عثرنا منه على شيء فهو القليل النادر الذي لا يروي ظمأ، إنما أكثره من قبيل الخيال المصطنع، يتعمق فيه الشاعر ليظفر باستعارة، أو يسبح في الآفاق ليأتي ببعض المحسنات البديعية. •••

لقد يخيل إلي أن من أهم أسباب النقص في هذا الباب الموقف الذي رسم للشاعر منذ العصر الجاهلي.

لقد رسم للشاعر أن يكون خادم السلطات، وبدأ بذلك في العصر الجاهلي فكان الشاعر شاعر القبيلة لا شاعر نفسه، إذ كانت السلطة للقبيلة، فهو يدافع عنها، ويحميها من أعدائها، ويعبر بلسانها، ولا يشعر لنفسه بوجود مستقل فيها، فقل التعبير بأنا وكثير التعبير بإنا، وحتى إذا عبر بأنا، فقل أن يعني نفسه وحدها، وإنما يعني نفسه وقومه.

فلما انتقلت السلطة من القبيلة إلى الخلفاء والملوك والأمراء، وقف الشاعر الحضري منهم موقف أسلافه من القبيلة، فكان لا ينبغ النابغ من الشعراء إلا في قصور الملوك والأمراء، وقل أن نرى شاعرا نبغ في غير هذه البيئة؛ ومن أجل هذا كثر شعر المديح والهجاء وما إلى ذلك؛ لأن الشاعر ليس يعبر فيه عن نفسه، ولا هو مستقل بنفسه، إنما هو معبر عن أغراض من يخدمهم ويسعى في استرضائهم، ومن حرم الحظوة عند هؤلاء ظل دهره شاكيا باكيا، يذم الزمان، ويلعن تصاريف الدهر، كما فعل ابن الرومي وأبو العلاء.

من أجل ذلك لو أحصينا من كان شعره خادما للملوك والأمراء، كانوا هم الجمهرة العظمى، ومن عداهم كانوا في غاية الندرة، أمثال العباس بن الحنف وجميل بثينة.

فهذا الوضع الذي وضع فيه الشعراء أنفسهم من خدمة السلطات - مقلدين في ذلك الوضع الجاهلي - لون الأدب العربي بالألوان الزاهية في بعض مواضعه، والباهتة في بعض مواضعه؛ فحيث يكون الشعر في خدمة الملوك والأمراء كالمديح والهجاء والغزل والخمر، فهو كثير وفير، وحيث يحتاج الشعر إلى استقلال، وحيث يغني الشاعر لنفسه، كشعر الطبيعة، ووصف المشاعر النفسية ونحو ذلك فقليل نادر.

لم يفهم الشاعر نفسه على حقيقتها، ولم يفهمه الناس على حقيقته، فكلمة الشاعر تدل على أنه يشعر بالأشياء خيرا مما يشعر غيره، وكان ينبغي أن يفهم من ذلك أنه يقول ليرضي شعوره أولا، والناس ثانيا، ولكن كان أول الشعراء شعراء الجاهلية، فقضت عليهم ظروفهم أن يقفوا موقف الجرائد اليوم من الأحزاب، وأن يقفوا من قبيلتهم موقف الخطباء؛ وهذا خطأ في فهم معنى الشاعر، إذ كان ينبغي أن يكون معناه من فاضت عواطفه من شعوره القوي، فجرى ذلك على لسانه، أو أن يكون معناه من منح عاطفة قوية وشعورا مرهفا يدرك به ما لا يدرك غيره، فيمزج ذلك بنفسه، ويخرجه لنفسه وللناس في أسلوب خاص؛ إن كان كذلك فكان ينبغي أن يستقل بنفسه، لا يخضع لسلطان ولا يوجه حيث يراد، لا حيث يريد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣٢