تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد فنعرض اليوم لناحية أخرى قصر فيها الأدب العربي لشدة تمسكه بتقليد الأدب الجاهلي وهي «أدب الطبيعة».

ذلك أن الأدب الجاهلي - فيما نقل إلينا - لم يعن العناية الكافية بجمال الطبيعة، فلم يتغن بجمال الأزهار، ولا بتغريد الأطيار، ولا بخرير المياه، ولا بانسياب الجداول، ولا بمحاسن النجوم، ولا بجلال السماء، ولا بمناظر الأرض كما ينبغي أن يتغنى.

لقد أكثر الشاعر الجاهلي من وصف ناقته، أو وصف صيده، أو وصف فرسه، ولكنه لم يكثر من وصف منظر طبيعي جميل أخذ بلبه أو ملك عليه نفسه.

نعم رويت بعض القصائد الجاهلية في وصف الرياض كقول الأعشى:

ما روضة من رياض الحزن معشبة

خضراء جاد عليها مسبل هطل

يضاحك الشمس منها كوكب شرق

مؤزر بعميم النبت مكتهل

يوما بأطيب منها نشر رائحة

ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل

ولكنه - كما ترى - لم يقصد إلى جمال الروضة قصدا، ولم يقل ما قال فيها عمدا، إنما عمد إلى وصف من يحب، فقال: إن طيب رائحة حبيبته أطيب من ريح روضته، وتتابع الشعراء بعد على هذا المعنى وعلى هذا النمط.

وكذلك ورد بعض الشعر الجاهلي من هذا القبيل في وصف جمال الروضة تبعا لا استقلالا، كأن يتحسر الشاعر على أيام الصبا يوم كان يلقى حبيبته في مكان نزه يصفه، ثم تتابعت عليه أحداث الزمان فتركته خرابا.

وقد أكثروا من وصف الرعد والبرق والسحاب، ولكني أقرؤها فلا أشعر فيها بقلب ينبض، ولا بعاطفة قوية، وإنما يقف فيها الشاعر عند تقييد ما يرى، فإن تعدى ذلك فإلى تشبيه يشتقه من بيئته.

وسبب قصور الشعر الجاهلي في هذا الباب أن الطبيعة في هذه البيئة طبيعة قاسية، لا طبيعة رحيمة، وطبيعة فقيرة لا غنية: حر مهلك، وبرد قارس، وصحراء مجدبة، وأرض شحيحة، وجبال جرداء، وأرض صماء، أو رمال لا يستقر فيها ماء.

فكيف توحي هذه الطبيعة بالتغني بالجمال؟ إن الطائر إذا لم يجد الغصون الناضرة، والأزهار اليانعة، لم يستطع أن يعيش فضلا عن أن يغني.

وكذلك الشعور بالجمال والتغني به، إنما يأتي بعد الطمأنينة على العيش، والحصول على القوت. وأرض العرب في الجاهلية لا يتوافر فيها الرزق إلا بشق الأنفس؛ بل إن الحياة كانت في كثير من الأحيان تعتمد على السلب والنهب والقتال، فكيف يفرغ الشاعر إلى التغني بجمال الطبيعة، وأكثر مواقفه في تأليب قبيلة على قبيلة، والإشادة بمحاسن قبيلته، والتشهير بعيوب أعدائها.

إذا لم يكن هناك مجال كبير للالتفات إلى محاسن الطبيعة والتغني بها. ولهم في ذلك كل العذر، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ولكن ماذا حدث بعد؟

حدث أن فتح الله الدنيا على العرب وملكوا محاسنها على اختلاف أنوعها؛ ففي أيديهم خير الأنهار وأجمل البحار وأنزه الرياض، وتحت بصرهم الأراضي الخصبة الجميلة، والجبال المكسوة بالأشجار والبساتين الغنية بالثمار، والحدائق التي تختال بالأزهار - في أيديهم مصر بنيلها وحقولها وبحرها وسمائها، والشام بجبالها وأشجارها ومياهها وسحرها، وبلاد العرق بسوادها وبساتينها ودجلتها وفراتها، وفارس بنجادها ووهادها ومنازلها وثمارها وأزهارها، ثم كانت في أيديهم الأندلس بطبيعتها الفاتنة وجمالها الساحر.

فهل وفى الأدب العربي هذه المناظر حقها؟ وهل أدى للجمال الطبيعي واجبه؟ نعم نرى أبياتا في الربيع لأبي تمام والبحتري، ونرى شعرا جميلا في وصف الرياض والأزهار والثمار لابن الرومي، ونجد أبياتا متفرقة هنا وهناك في دواوين الشعراء، ولكنها قليلة نادرة ندرتها في الشعر الجاهلي، وأكثرها قيل تبعا لا استقلالا ، كما هو الشأن في الشعر الجاهلي، وهي ليست إلا دررا طغت عليها الأمواج المتدفقة من شعر المديح والهجاء، وما إليها.

إن كان للبدوي عذره في أنه لا يكثر القول في الطبيعة ولا يشعر بجمالها كما ينبغي، فما عذر الحضري والجمال وفير والمال كثير وتحصيل العيش سهل يسير؟ لا عذر إلا أنه أسير التقليد، لم يستطع أن يستقل في مشاعره ولا في تفكيره ولا فنه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٣١