بل إني أذهب إلى أكثر من ذلك وأرى أن معاجمنا اللغوية يجب أن يكون منها نوعان أيضا: نوع للخاصة فيه كل لفظ وكل استعمال، ونوع للعامة نميت فيه الألفاظ الجاهلية التي لا حاجة إليها في حياتنا، والتي تدل على أشياء لا علاقة لها بنا، ونخلي مكانها للألفاظ الحديثة التي نحتاجها، لا نذكر فيها من النباتات البدوية، ولا الحيوانات البدوية، ولا الأدوات البدوية إلا ما لنا به علاقة ما، ونفتح صفحاته الكثيرة لندون فيها أزهارنا ونباتنا وحيواننا وأدواتنا التي تحيا بيننا بحياتنا.
نميت العرار ونحيي الزنبق، ونميت الكمأة ونحيي المانجو، ونميت القوس، ونحيي القنابل، وهكذا.
بل أذهب إلى أكثر من هذا، فأناشد الأدباء والشعراء أن يستمدوا تشبيهاتهم واستعاراتهم مما بين أيدينا من مخترعات، وألا يستعملوا ما لا يحسون ولا يعلمون من تشبيه، وأناشد المعلمين أن يعلموا بالخط الأحمر على الاستعمالات التي يستعملها الطلاب ولا يفهمونها، أو يفهمونها ولا يحسونها، فلا يجيزوا لطالب أني يقول: «ألقى حبله على غاربه»، ولا أن يقول: «أندر من الكبريت الأحمر»، وهم لا يعلمون ما الكبريت الأحمر، ولا أنا أيضا، ولا «أعز من بيض الأنوق، ولا الأبلق العقوق»، ولا «عقود الجمان، ولا قلائد العقيان»
3 ، فهي كلمات ضخمة لا مدلول لها، وليطالبوهم بأن يحركوا أذهانهم، ويهزوا عقولهم، فيصوغوا ألفاظهم وتعبيراتهم وتشبيهاتهم مما بين أيديهم، فذلك أليق بالحر وأجدر بالعاقل.
إنا إن فعلنا ذلك فككنا أغلالنا، وتحررنا من سلطان الأدب الجاهلي، واستطعنا الجري إلى الأمام في أدبنا.
هذا ما أرى، فهل يجد هذا الموضوع من رجالاتنا ما يثير أذهانهم فيؤيدوه أو ينقدوه، حتى يتجلى فيه الصواب، ويظهر الحق، ويكون له نتيجة عملية في حياتنا الأدبية؟
3
أراني مضطرا قبل البدء في هذا المقال إلى التنبيه على خطأ وقع فيه بعض الكتاب، وهو أنهم يرون أن الأدب العربي لا يخدم إلا من طريق التقريظ والإفراط في تبيين المحاسن والتغاضي عن ذكر المعايب. وغلا بعضهم فرأى أنه مقدس كل التقديس، لا يصح أن يمس بكلمة سوء، ولا يذكر بكلمة تجريح.
فهؤلاء وهؤلاء لا يحسنون إلى الأدب العربي بقدر ما يسيئون إليه؛ فكل أدب في العالم خاضع للنقد، ولا يرقى إلا بالنقد؛ كما أن كل أدب لا يمكن أن يحيا وينهض إلا باقتباسه من حين إلى آخر من الآداب الحديثة، والمقارنة بينه وبينها، حتى تعرف جوانب قوته وجوانب ضعفه، ثم يستفاد من هذه المقارنة بإدخال ما توحي إليه من إصلاح. وهذه الشواهد ماثلة أمام أعيننا؛ فالآداب الغربية من ألمانية وإنجليزية وفرنسية وإيطالية - على عظمتها وسيرها مع الحياة - لا يزال كتابها يجهرون بالنقد اللاذع لها، ولا يزال كل منها فاتحا عينيه لما يحدث في الآداب الأخرى؛ فإذا شعر بناحية قوية ظهرت فيها أخذها وطعم بها أدبه، ولم يهدأ حتى يجاريها ويباريها.
وإن مثلنا مثل الطبيب الذي يرى المريض العزيز عليه، فلا يمنعه حبه وإشفاقه من تشخيص المرض كما يدعو إليه العلم ويدعو إليه الحق ، ويذكر في صراحة خطر المرض، وإن كانت نفسه تذوب حسرات، ويصف العلاج وقلبه يبتهل إلى الله بالنجاح؛ ومثل هؤلاء الكتاب مثل العجائز يدخلن على المريض فلا هم لهن إلا أن يكذبن ويقلن له: ما أحسن وجهك، وما أجود صحتك، وما أبين العافية عليك! ونحو هذا من معسول الكلام الذي لا يفيد؛ وقد يحمل المريض على الاستنامة لقولهن وعدم الأخذ بوسائل الاستشفاء الصحيح.
قد كان هذا الكلام الرخيص يجوز على الناس قبل أن ينتبه العالم الشرقي لمرضه، وأيام كان يغط في نومه؛ أما وقد استشعر المرض وأحس نفسه وحقيقة مركزه، فقد أخذ يستوصف المصلحين ويهزأ بالمقرظين، ويسترشد بالمنصفين، ويحتقر المتاجرين، ولا يعبأ إلا بالمخلصين. •••