2
قدس الناس الأدب الجاهلي تقديسا أكبر مما يستحق، وذلك بفضل جماعة من العلماء ظهروا في آخر الدولة الأموية وأول الدولة العباسية، يجمعون مفردات اللغة وأساليبها وأدبها؛ وكان عملهم هذا يستحق الإعجاب والتقدير! ولكن ما لا يستحق الإعجاب ولا التقدير أنهم رفعوا من شأن الأدب الجاهلي، وفضلوه على كل أدب لمحدث أو مولد، وأنهم وقفوا في وجه كل مجدد، وأنهم أرادوا أن ينطبع الأدب العربي بالطابع الجاهلي لا غيره، فكان لهم - مع الأسف - ما أرادوا.
رفعوا من قيمة كل شيء جاهلي وغلوا في تقديره؛ فالماء الحقير في مستنقع جاهلي أفضل من الذكر من دجلة والفرات والنيل وكل أنهار الدنيا، والجرادتان اللتان غنتا النعمان كان صوتهما وغناؤهما خيرا من كل صوت وغناء، ودوسر كتيبة النعمان بن المنذر أقوى جيش عرفه التاريخ، وأيام العرب في الجاهلية ووقائعها الحربية لا يعادلها أي يوم من أيام المسلمين، وجبلا طيئ خير جبال الدنيا، وحاتم الطائي لا يساوي كرمه كرم، حتى الرذائل لا يصح أن يساوى برذيلتهم رذيلة. فليس أبخل من مادر، ولا أشأم من البسوس، ولا أسرق من شظاظ!
كل هذا طبع الأدب العربي على غرار الأدب الجاهلي في كثير من شئونه مع اختلاف البيئات، ومع اختلاف العصور!
كان غزل الأدب الجاهلي حزينا بائسا؛ لأن أرض الجاهليين بائسة فقيرة؛ ولأن سكانها كثيرو الرحلات وفي تنقل مستمر، والآباء يستنكرون من اجتماع الحبيبين؛ فما بال الغزل العباسي وغير العباسي حزينا بائسا، والخير وفير، والحبيب قريب؟ بل ما بال الغزل في الإماء حزينا بائسا والأمة في اليد ولا يستنكف مالكوها من حب ووصال؟
وكان أدباء الجاهلية يفتتحون قصائدهم بالنسيب إذا أرادوا مدحا أو أرادوا هجاء أو أرادوا أي غرض؛ لأن هذا يتفق وذوقهم؛ فما بال الأدب الذي أتى بعد ينحو هذا المنحى وقد تغيرت الظروف؟ وما بال الشاعر العباسي يقصد إلى الممدوح التركي أو الفارسي فيتغزل بدعد ويهيم بدعد، في أبيات طوال حتى يصل إلى الممدوح وقد أضناه التعب؟
وكان الشاعر الجاهلي يقطع الفيافي والقفار على ظهور الإبل، فيصف عناءه، ويصف طريقه الوعر، ويصف هزال ناقته، وهو في ذلك صادق كل الصدق؛ ولكن ما شأن مسلم بن الوليد وأبي نواس وأبي تمام والبحتري، والممدوح في بغداد والمادح في بغداد، والشاعر يسير على رجله خطوات ليصل إلى الممدوح فلماذا يحشر في الوسط ناقة وبيداء ونحو ذلك؟
وكان الشاعر الجاهلي يخرج للبادية، ويصعد الجبال ويهبط الوديان، ويصيد الوحش، ويرى المها والغزلان، وعيون المها وجيد الغزلان، فيشتق تشبيهاته مما يرى ومما يحس ويلمس؛ ولكن أين المها في بغداد أما علي بن الجهم حين يقول: «عيون المها بين الرصافة والجسر»
وأين المها والوعل في مصر والأندلس، حتى امتلأ بذلك كله شعر مصر والأندلس؟
وكان الشاعر يرحل في صحبه، فإذا وقف على دار محبوبته استوقف أصحابه يعينونه على البكاء؛ وقد حدث لأمر ما أن قال «امرؤ القيس» الجاهلي: «قفا نبك» بصيغة التثنية، وكان في هذا صادقا؟ فما بال «حافظ إبراهيم» في مصر، ولا دار ولا أطلال ولا صحب، يقول في مدح الشيخ محمد عبده:
بكرا صاحبي يوم الإياب
وقفا بي في عين الشمس قفا بي
ويطول بي القول لو أخذت في تعداد هذه الأشياء التي لا علة لها إلا سلطان الأدب الجاهلي على الأدب العربي.
ولعل هذا كان من الأسباب التي جعلتهم يقولون: «إن أجود الشعر أكذبه» أفليس كل هذا كذبا في كذب؟ •••
وناحية أخرى لها خطورتها، وهي أن العربي الجاهلي انتزع صور تعبيراته وتشبيهاته ومجازاته واستعاراته من بيئته التي يعيش فيها، فكانت صورا صادقة وتعبيرات صحيحة وابتكارات موفقة. ثم لما أتى من بعدهم تأثر بهم ودرج على أثرهم، ولم يلحظ الفرق بينه وبينهم، وانعدام الصدق في قوله دون قولهم.