كان العربي يعتمد على الإبل في معيشته، فاشتق منها ومما يحيط بها ومن طرق معيشتها كثيرا من أدبه، فقال: «ألقى حبله على غاربه» و«أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب
1 »، وقال: «الصيف ضيعت اللبن» وقال: «أخذ الشيء برمته
2 » و«ليس في العير ولا في النفير» و«دون ذلك خرط القتاد» إلخ إلخ. فما لأدبائنا وطلبتنا وهم لا يعيشون عيشة الإبل، يستعملون هذه التعبيرات كلها، وهي بالنسبة لهم ليست تعبيرا صادقا، أو على الأقل لا يضيفون إليها التعبيرات المشتقة من حياتهم؟
وكان العربي في الجاهلية يعيش عيشة اجتماعية خاصة، عمادها اللبن والتمر والجزور، ونباتها الشيح والقيصوم، وحيواناتها الضب وما إليه، وعلاقة بعضهم ببعض علاقة ارتباط بالدم في القبيلة وعلاقة عداء مع غير القبيلة؛ فكان من ذلك كله أدبهم وتعبيرهم وفخرهم وهجاؤهم، ثم تغير ذلك كله؛ تغيرت معيشة الأمم وحيوانها ونباتها، وحلت الأمة محل القبيلة، كما حلت الحضارة محل البداوة. أفلا يكون من الحق أن يكون أدب كل أمة صورة صادقة لها؟
كان العربي يقول في المرأة: كأنها ظبي من ظباء عسفان، ورئم من آرام وجرة، ومهاة من مها الصريم، وجؤذر من جآذر جاسم؛ أفيحق لنا أن نقول هذا في تشبيه المرأة المتحضرة؟
وكانت لهم مقاييس في الجمال من سمن وردف، ولهم أوصاف خاصة بما يتصل بالجمال، كنئوم الضحى ومكسال، أليس من الحق وقد تغير المثل الأعلى لجمال المرأة أن يتغير الأدب تبعا له؟
وكانوا يقولون: إن قده قد القناة وقوامه قوام الرمح، وكأنه النخلة السحوق. أيصح أن يظل هذا مستعملا في الأدب، وقد بطلت القناة وسمج تشبيه القد بالنخلة؟
وكان عرب البادية يرون في باديتهم نبت الثمام، ورأوه لا يطول، فقالوا للشيء الذي يسهل تناوله: «هو مني على طرف الثمام»، فكانوا صادقين في قولهم مصيبين في تعبيرهم؛ فكيف يجوز لنا ولم نر ثماما قط أن نعبر هذا التعبير، إلا ان يكون تقليدا مخجلا؟
وكانوا يرون الضب في باديتهم ويلمسونه بأيديهم، ويعرفون نوع حياته، فكونوا لهم أدبا حوله، رأوا الضبة تأكل أولادها فقالوا: «أعق من ضب»، ورأوا عقد ذنبه كثيرة فقالوا: «أعقد من ذنب الضب»، وعرفوا أنه يسكن جحره في الشتاء فقال قائلهم:
يباري الريح تكرمة ومجدا
إذا ما الضب أجحره الشتاء
فكيف يسوغ لمصري أو عراقي أو شامي أن ينطق بهذه الأقوال وهو لم ير ضبا قط، ولا رأى عقد ذنبه، بل قد لا يعرف شيئا عنه؟ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. كان لهذا التقليد أثران سيئان جدا:
أولهما:
استعاراتنا وتشبيهاتنا وقفت عند الاستعارات والتشبيهات الجاهلية، فقد حلت الطيارات محل الإبل، ولا زلنا نقول: ألقى حبله على غاربه. ووجدت الأسلاك الشائكة أشكالا وألوانا ولا زلنا مولعين بحسك السعدان. وأمدتنا المخترعات الحديثة بألوان وألوان يمكن العقل الخصب أن يستمد منها آلافا من التشبيهات والاستعارات، ونحن لا نزال عند «الصيف ضيعت اللبن». وتغير نظرنا للحياة فأصبح كرم حاتم من النوع السخيف والإسراف الممقوت، ولا زلنا نقول: الكرم الحاتمي. وهناك آلاف من أنواع الخيبة التي تصلح للتشبيه، ولكن لا يزال «خفا حنين» وحدهما هما مضرب المثل. وكم في العالم من مجهولات يمكن التشبيه بها، ولكن لم يلق نجاحا في التعبير إلا أنه «لا يعرف من أين تؤكل الكتف» وكم في الدنيا من أشياء يشبه بعضها بعضا، ولكن ليس لشيء منها حظ كحظ «حماري العبادي». وكم في الدنيا من مؤتمرات أعدت أحسن إعداد وألقي فيها من موضوعات الأدب والفن ما كان غرة في جبين الدهر، ولكن كل ذلك لا يستحق أن يذكر اسمه بجانب «سوق عكاظ»!
من أجل هذا كله افتقر الأدب العربية في باب التشبيهات والاستعارات التي تجاري الزمان، وتخترع من حوادث الأيام، ووقفت جامدة كما تركها الأولون إلا في القليل النادر.