وكان لهذا القيد ضرر آخر لا يقل عن هذا خطرا، وهو تحكم الألفاظ في المعاني؛ فالشاعر في كثير من الحيان يبحث عن لفظ القافية - أولا - ثم يبحث عن المعنى الذي يناسب القافية، وهذا قلب للأوضاع مفسد للأدب؛ لأن الواجب أن يتبع اللفظ المعنى لا المعنى اللفظ.
وأما من حيث الموضوع، فكانت مصيبتنا فيه أعظم؛ لأن تقديسنا للأدب الجاهلي حصر الشعر العربي في نفس الموضوعات التي صيغ فيها الشعر الجاهلي، من مديح وهجاء، وفخر وحماسة، وغزل ورثاء؛ ولم يمس الشعراء عواطفهم الحقيقة ولا حالتهم الاجتماعية إلا مسا رقيقا. وإلا فخبرني: أين الشعر العراقي الذي تجد فيه الشعراء يتغنون بمناظر العراق الطبيعية، ويصفون فيه أحداثهم الاجتماعية؟ وأين الشعر الشامي أو المصري أو الأندلسي الذي يشيد بذكر مناظر الطبيعة وأحوال الاجتماع للشام ومصر والأندلس؟ إنك تقرأ الشعر العربي، فلا تعرف إن كان هذا الشعر المصري أو عراقي أو شامي إلا من ترجمة حياة الشاعر، أما القالب كله فشيء واحد، والموضوع كله واحد، مديح أو رثاء أو هجاء أو نحو ذلك مما قاله الجاهليون.
أليس عجيبا أن يفتح المسلمون بلاد الدنيا ثم لا يقول الشعراء في ذلك شيئا يذكر؟ أو ليس عجيبا أن يكتسح التتار العالم الإسلامي، ثم لا يقولون في ذلك أيضا شيئا له قيمة؟ ثم تأتي الحروب الصليبية، وتكون عجبا من العجب، وتستمر السنين تلو السنين، وتكون ملعبا للعواطف، وتتوالى فيها الأحداث تذيب القلوب وتصهر النفوس، ثم يتحول أكثر ما قيل فيها إلى مدح الملوك الفاتحين أو المنتصرين، ولا يقال إلا القليل في المعنى السامي المجرد عن الأشخاص؟ وكل ما يلتمس من التعليل الصحيح أن يقال: إن الجاهليين لم يقولوا شعرا في هذه المعاني فلم يقل في ذلك من بعدهم!
أليس من السخرية ومما يستوجب الحسرة والأسى أن يترك الشعراء هذه المواقف كلها وأمثالها مما يقع سمعهم وبصرهم، فلا يحركهم إلا «قفا نبك» و«مال الغبيط»، فإن جددوا في شيء فأن يكون الممدوح سيف الدولة بدل الغساسنة، وأن يكون المادح المتنبي بدل الأعشى؟
لا. لا. اللهم إن هذا منكر لا يرضيك. وهذه جناية قتلت الأدب العربي ووقفته أكثر من ألف سنة حيث كان، والزمن سائر والعالم متغير!
هل في ذوقنا الآن أن نبدأ الشعر في حادثة اجتماعية بالغزل؟ وهل في ذوقنا نحن الآن أن نملأ الشعر بأماكن البادية ومياه البادية وجبال البادية وأودية البادية؟ وهل في ذوقنا نحن الآن أن نتغنى برائحة العرار والخزامي، وأن نرعى الشيح والقيصوم؟ لا شيء من ذلك، ولكنه التقليد المخجل والحرية المفقودة.
أليس مما يستوجب الهزؤ والسخرية أن يكون تقسيم البارودي للشعر في القرن العشرين هو تقسيم أبي تمام للشعر في القرن الثالث؟!
أوليس مضحكا أن يترك الشعراء العراقيون والمصريون والشاميون بلادهم وأنهارهم ويتغزلوا في نجد وغير نجد؟ فابن الدمينة يقول: «ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد»
وابن الخياط يقول: «أهيم إلى ماء ببرقة عاقل»
وصردر يقول: «النجاء النجاء من أرض نجد»
ومهيار الديلمي الفارسي يقول:
تظن ليالينا عودا
على العهد من برقتى ثهمدا
إلى آخره، إلى آخره. •••
لقد آن لنا أن نفك هذه الأغلال كما نفك قيود الاستعمار سواء بسواء؛ لأن الأدب الجاهلي يستعمر عقلنا وذوقنا، فيشلنا شلل الاستعمار.
وآن لنا أن يكون شعر كل أمة عربية، وأدب كل أمة عربية، صدى لشعورها وسجلا لأحداثها وتغنيا بعواطفها وتوقيعا على موسيقاها، وآن لنا أن يكون موضوع الشعر خلجات نفوسنا وتمجيد طبيعتنا، وتاريخ ما يحدث بين أيدينا.
وهذا لا يكون إلا بتغيير نظرتنا إلى الأدب، وتغيير برنامجنا في الأدب، والتحرر من ربقة الشعر الجاهلي، وسيطرة الشعر الجاهلي.
وبعد فهذا موضوع من الخطر بمكان، لعل المفكرين والقراء يطيلون فيه التفكير، ويطيلون فيه الكتابة، حتى نصل فيه إلى الكلمة الأخيرة.