تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما اختلفت الأسباب فقد كانت هذه هي النتيجة: غلبة الأدب الجاهلي، وسطوته، وتقييد الأدب العربي بكل القيود التي قيد بها الأدب الجاهلي، ولعلني لا أجد أوضح تعبيرا عن ذلك من ابن قتيبة، مع أنه كان يزعم أنه من المجددين، إذ يقول: «ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين، فيقف على منزل عامر أو يبكي عند مشيد البنيان؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما؛ لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجارية؛ لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي، أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد؛ لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والعرار».

اللهم إن هذه دعوة لم يفسد الأدب مثلها، فهو وأمثاله يطلبون إذا ركب الشاعر طيارة أن يتغزل في الناقة، وإذا شم وردا أن يتغزل في العرار، وإذا سكن قصرا أن يتغزل في الأطلال، وإذا عشق ثريا أن يتغزل في هند. فأين إذا صدق العاطفة وصدق الوصف، وأين حرية الأديب، وأين دعوى أن الأدب سجل الحياة؟ •••

مما يؤسف له أن هذه الدعوة السخيفة لقيت نجاحا كبيرا وشلت الأدب العربي شللا فظيعا في العصور كلها إلى اليوم.

فقد هاجم هؤلاء الجامدون كل من حدثته نفسه بتجديد، فإذا خرج أبو نواس عن المألوف، ودعا إلى عدم البكاء على المدن والوقوف على الديار، هاجموه وسبوه، إلى ان اضطروه في مديحه للخلفاء أن يعدل عن رأيه، ويقف على الديار ويصف ناقته حتى يصل إلى ممدوحه.

وإذا انحرف أيو تمام عن المألوف قليلا بابتكار بعض المعاني والتعمق فيها والتحليق بها في الخيال، قالوا: «إنه خرج على عمود الشعر»، وفضلوا البحتري عليه؛ لأنه ألصق بهذا العمود، حتى قضوا قضاء على كل تجديد.

كان من أثر دعوتهم هذه انعدام حركة التجديد في الشعر، وعدم ملاءمته لروح العصر، وانحباسه في قوالب تقليدية لا يتعداها؛ حتى أصبح الناس والشعراء يلوون عقولهم ويلوون أذواقهم، ليستحسنوا الشعر ويتذوقوه، كما يلوي الشرقي ذوقه ليتذوق الموسيقى الأوروبية، وحتى أصبحت عيون الناس والشعراء في أقفيتهم لا في وجوههم، ينظرون إلى الخلف ولا ينظرون إلى الأمام، إذا ذكر لهم بيت من الشعر الجاهلي تهيئوا للإعجاب به قبل أن يسمعوه، وأعجبوا به بعد أن يسمعوه؛ وقد يكون في ذاته سخيف المعنى رديء اللفظ. ولكن ملك التقديس الجاهلي عليهم أنفسهم وأذواقهم، فاستحسنوا القبيح وأعجبوا بالسخيف، وكان مثلهم مثل هاوي السجاد، يفضل الفتلة البالية من السجادة القديمة المهلهلة على كل سجادة جديدة، وإن كانت أجمل وأنفع وأصلح!

وعبادة القدم - دائما - تفسد الذوق، وتقلب الوضع، وتفسد التقدير؛ فهم يعجبون جدا بقول امرئ القيس: «تقول وقد مال الغبيط بنا معا»، ويفضلونه على كل شيء في هذا المعنى، ويستلطفون قوله: «خطبة مسحنفرة وطعنة مثعنجرة» على وصف كل خطبة وطعنة، وهكذا وهكذا مما لا عد له.

أليس في الإعجاب بهذه المعاني وهذه الألفاظ إفساد للذوق وإهدار للعقل؟ •••

لقد كان لانتصار هذا الرأي المحافظ الشديد المحافظة أسوأ الأثر في الشعر من نواح متعددة، من حيث الشكل ومن حيث الموضوع، لا يسع المقام إلا أن أذكر طرفا قليلا منها.

فمن ناحية الشكل قيد الشعر بقيود الوزن والقافية كما رسمها الشعر الجاهلي؛ فالبحور الجاهلية هي البحور التي سار عليها الشعر العربي كله إلى الآن إلا أشياء قليلة، وكذلك القافية، مع أن البحور ليست إلا أوزانا، والأوزان ليست إلا موسيقى، والموسيقى تختلف باختلاف العصور؛ فكما أن الغناء الجاهلي لا يناسبنا، فكذلك يجب أن تكون الأوزان والقافية مسايرة للزمن، وأن تحكم كل أمة عربية أذنها الموسسيقية في الوزان الشعرية التي تناسبها، والتي لا تناسبها، سواء وافق ذلك الوزان الجاهلية وقوافيها أو خالفها، أما أن نخضع آذاننا للأوزان الجاهلية والقافية الجاهلية فحسب، فنوع من السجن لا يليق بأمة راقية تتحرر من القيود الثقيلة، وقد جنى هذا القيد علينا جنايات كبرى تتصل بالموضوع؛ فالتقيد بالقافية حرمنا من الملاحم الطويلة التي كانت عند الأمم الأخرى، وحرمنا من القصص الطويلة الممتعة؛ لأن اللغة مهما غنيت بالمترادفات لا تستطيع أن تقدم للشاعر مئات الكلمات على روي واحد وعلى حرف واحد، خصوصا بعد أن قيدوا الشاعر أيضا بألا يعيد الكلمة الواحدة إلا على مسافات بعيدة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٢٥