فلا عجب أن يأتي الشعر الأموي مصبوغا بالصبغة الجاهلية في الأوزان والقوافي والموضوعات والروح.
إنما العجب أن يأتي الشعر العباسي على هذا النمط، وكثير من الشعراء فرس، والحياة حياة فارسية في أكثر ألوانها، والحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مخالفة كل المخالفة للحياة الجاهلية والأموية!
لقد كان من مقتضى هذا التغيير أن يأتي الشعر العباسي صورة صادقة لهذه الحياة الجديدة، ولكن لم يكن كبير شيء من ذلك، وعلماء الأدب يجهدون أنفسهم في بيان المميزات الجديدة للعصر العباسي، فلا يأتون إلا بأشياء لا أراها إلا سطحية ليست في الصميم، كالتنميق وكثرة الاستعارات والتشبيهات والإكثار من البديع وورود الألفاظ الأعجمية والتعبيرات العلمية، والإكثار من الخمر والغزل في المذكر ونحو ذلك، وهي في نظري ليست من الجوهر في شيء؛ إنما جوهر التغير أن يعدلوا أوزان الشعر بما يتفق ورقي آذانهم الموسيقية، وأن يصفوا أحوال عصرهم الاجتماعية والسياسية وصفا صادقا مستفيضا، وأن يصفوا ترفهم وبؤسهم وصفا تحليليا صادقا، وأن يتغنوا بأماكنهم وطبيعة بلادهم، وان يصفوا مشاعرهم هم لا مشاعر غيرهم، وأن يفتحوا الفتوح في الأدب حتى يكون سجلا لأفكارهم ومشاعرهم الحقة، كما كان الشعر الجاهلي سجلا لأفكار الجاهليين ومشاعرهم الحقة وهكذا، وهذا الضرب لا نعثر منه في العصر العباسي إلا على القليل النادر.
أهم سبب في هذا - عندي - جناية الأدب الجاهلي عليهم.
لقد وجد في العصر العباسي لأول عهده معسكران: معسكر يدعو إلى القديم وعدم الحيدة عنه، ومعسكر يدعو إلى التجديد وعدم التقليد؛ فكان زعماء المعسكر الأول أمثال الأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، وابن الأعرابي، وكان هؤلاء رواة أكثر منهم أدباء، وكانوا علماء لغة أكثر منهم نقدة أدب؛ فغلب عليهم بطبيعة ثقافتهم أن يتعصبوا للقديم وخاصة الشعر الجاهلي، وكان أبو عمرو بن العلاء يرفض الاحتجاج حتى يشعر الأمويين، ولا يقر بفضل للمحدثين: ويقول عن المحدثين: «ما كان عندهم من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم». وربما أعجبه شعر جرير أو الفرزدق فيقول: «لقد حسن شعر هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته».
وقرأ رجل على ابن الأعرابي أرجوزة لأبي تمام على أنها لبعض الهذليين فقال: اكتب لي هذه. فكتبها ثم قال له: إنها لأبي تمام فقال: «خرق خرق» ومثل هذا كثير.
وأما المعسكر الثاني فكان يدعو إلى استحسان الحسن القديم كان أو لمحدث، واستقباح القبيح لقديم كان أو لمحدث، وكان من هؤلاء أبو نواس، فقد نادى: بألا يحق للشاعر أن يتغزل بليلى ولا هند إذا كنت محبوبته ليست ليلى ولا هند، فيقول:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند
واشرب على الورد من حمراء كالورد
ولا يحق له أن يبكي الأطلال ويقف على الديار فيقول:
لا جف دمع الذي يبكي على حجر
ولا صفا قلب من يصبو إلى وتد
ويقول - وما أحسن ما يقول:
تصف الطلول على السماع لها
أفذو العيان كأنت في الفهم
وإذا وصفت الشيء متبعا
لم يخل من زلل ومن وهم
ولكن هذه الحرب انتهت مع الأسف بنصرة الدعاة إلى القديم. والسبب في ذلك أنهم كانوا أكثر بالخلفاء اتصالا، وأكثر أتباعا وأشياعا، وأنهم من مكرهم صبغوا دعوتهم صبغة دينية، فقالوا: إن الشعر الجاهلي هو أحد المصادر في تفسير القرآن، وعليه نعتمد في شرح المفردات وبيان الأساليب. وفاتهم أن الاحتفاظ بالشعر الجاهلي لهذه الأغراض لا ينافي مسايرة الأدب للزمان والمكان.
على كل حال نجحت دعوتهم، وأخفتوا صوت مخالفهم، وساد في هذا العصر تقديس الشعر الجاهلي وكل شيء جاهلي. وقد عجب الجاحظ عجبي هذا في كتاب «الحيوان»، فقد ذكر أن غالب بن صعصعة كان أكرم من حاتم، ولكنه لم يشتهر شهرته؛ لأن غالبا كان إسلاميا وحاتما كان جاهليا «والناس بمآثر العرب في الجاهلية أشد كلفا»، وتعجب فقال: «ما بال أيام الإسلام ورجالها لم تكن أكبر في النفوس وأجل في الصدور من رجال الجاهلية مع عظم ما ملك المسلمون وجادت به أنفسهم!»