ولأعد سريعا إلى المرأة خوفا من الآنسة؛ فماذا يكون شأن المرأة في هذا البرنامج؟ في هذه المسألة قولان - قول يقول: إذا مرؤ الرجل مرؤت المرأة؛ فإذا أعددنا برنامجا لمروءة الرجل، استتبع ذلك مروءة المرأة؛ ولكن المرأة ترفض هذا القول بتاتا، وترى أنه ماس بكرامتها، وتصر على أنه إذا مرؤت المرأة مرؤ الرجل؛ لأنها هي التي ترضع الجيل الجديد المروءة؛ ولأنها لا ترضى أن تكون تبعا، فهذه عقلية القرون الوسطى.
إن كان ذلك كذلك، فلنترك برنامج مروءة المرأة للمرأة تضعه هي ما دامت لا تقبل قول الرجل، فذلك أقرب إلى العدل. •••
إن تم ذلك - يا أخي - امحى من مصر كل ما تشكو منه من صداقة تستغل الصديق ولا تفي للصديق، وتقابل جميلا بنكران، وإحسانا بإساءة، وامحى من الوجود رئيس يتخذ الرياسة وسيلة لإرضاء شهوته، ويستطيل على الناس بجبروته وسطوته، ورأيتهم وكأنهم أنشئوا خلقا آخر: يتبارون في المروءة، ويفخرون بأعمال المروءة. والحكومة ترقيهم حسب ما أتوا من أعمال المروءة، وما ظهر منهم من نبل وشرف وكرم نفس ومروءة. ونحن إن لم نصل إلى هذا كله دفعة واحدة، ففي بعضه رضى لي ورضى لك. وحسبنا أن يسير الناس إلى الغاية، وإن لم يبلغوا الغاية. •••
تسألني بعد ذلك: لمن نتبعها؟ ألوزارة الشئون الاجتماعية؟ أم لوزارة المعارف العمومية، وأظنك بعد أن تقرأ إجابتي لا ترى معنى لهذا السؤال، فلقد جعلت وزارة المعارف ووزارة الشئون الاجتماعية وغيرهما من الوزارات تبعا لمدرستي، فكيف أتبع مدرستي لإحداهما وأنت تعلم أن الدور في الفلسفة محال؟
هذا - يا أخي - ما خطر لي اليوم في اقتراحك، وهو كما ترى مملوء بالأشواك. فإن ظهر لي جديد، اتبعت خطة وزارة المعارف في تعديل المناهج. والسلام.
| جناية الأدب الجاهلي أو نقد الأدب العربي
1
كان الأدب الجاهلي صورة صادقة لحياة العرب في جاهليتهم؛ فحياة الجاهلي - غالبا - حياة ظعن ورحيل؛ لذلك بدأ شعره بالوقوف على الطلال وبكاء الدمن، وكان يرحل على ناقته؛ فهو يصف رحلته ويصف ناقته، ومن كان من الشعراء بدويا خشن العيش وصف عيشته الخشنة بألفاظ خشنة، ومن كان حضريا مترفا وصف عيشته المترفة بألفاظه الناعمة. موضوعات شعرهم هي موضوعات حياتهم من فخر وهجاء، وغزل ورثاء، ومن نزل منهم منزلا ذكر اسمه وتغنى به، فمنازل نجد للنجديين، ومنازل تهامة للتهاميين، ومن استمتع بالخزامى والعرار تغنى بالخزامى والعرار، ومن صاد الوعل وصف صيده للوعل؛ يلتزمون الحقائق، ويصدقون التشبيه والوصف؛ يجيدون وصف الشيء أكثر مما يجيدون وصف الحالة، فإذا وصفوا أسدا أو ناقة أو غادة أجادوا، ولكنهم إذا وصفوا حالة نفسية لحبيب، أو حالة لجيشين متقاتلين، أو فقر قوم وبؤسهم، لم يبلغوا في ذلك مبلغهم من وصف الشيء؛ لأن وصف الشيء الخارجي أبسط وأيسر من وصف الحالة المعنوية أو الحالة النفسية، فهذه تتطلب رقيا عقليا، وقدرة على التحليل النفسي لم يصلوا إليهما.
وكانت أوزان شعرهم هي وحي نفوسهم، منسجمة مع غنائهم مؤتلفة مع آذانهم. •••
ثم جاءت الدولة الأموية، وكان الأدب فيها صادقا صدق الأدب الجاهلي؛ لأن كثيرا من شعرائها لم تكن حياتهم إلا امتدادا للحياة الجاهلية، وكان الذوق فيها ذوقا عربيا يشبه الذوق الجاهلي إلا بما لطفته المدنية، فموضوعات الحياة هي موضوعات الحياة الجاهلية، إن كان ثم خلاف فهو أن الهجاء القبلي تحول إلى هجاء سياسي، والحياة الخشنة تحولت عند كثير من العرب إلى حياة نعيم تشبه حياة امرئ القيس في جاهليته، ونغمات الشعر الموسيقية التي كانت تلذ الأمويين هي التي كانت تلذ الجاهليين.
نعم إن الإسلام كان له أثر كبير في حياة الناس، ولكن كان له أكبر الأثر في أوساط الشعب ورجال العلم ورجال الأعمال وأقله في الشعراء.