إن السماحة والمروءة والندى
في قبة ضربت على ابن الحشرج
ثم مات ابن الحشرج وسقطت قبته على من فيها، ومع ذلك بقيت المروءة حتى لقيها الشاعر الثاني فيما يزعم.
إذا فالمروءة بحمد الله موجودة لم يمت أهلها كلهم ولم تنتحب عليهم، فنستطيع أن نجد لها معلمين من أهلها. •••
ثم أود قبل كل شيء، وبعد كل شيء، أن تبعد من ذهنك الفكرة الشائعة في المدرسة من أنها بناء ذو حجرات ومقاعد، وحصص وأجراس، وناظر ومفتش وفراش؛ فقد أصبح هذا (الطقم) كله ثقيلا بغيضا، أخشى أن ينفر المروءة فتنتحب ثانية ، وقد بذلنا غير المعقول في استرضائها وعودتها إلى الحياة.
إنما أريدها مدرسة من صنف آخر، على حد تعبيرنا أن «مجلة الثقافة» مدرسة، وعلى حد تعبير إخواننا المستشرقين مدرسة الشافعية ومدرسة الحنفية، أي: دراسات المذهب الشافعي والمذهب الحنفي، وكقولهم: مدرسة المعتزلة ومدرسة الشيعة، وهو تعبير طريف أظرف ما فيه أنه ينجينا من كل مشاكل المدارس الأميرية والحرة، وينجينا من وزارة المعارف بكل قيودها.
أريدها مدرسة لها حدود أربعة هي بعينها حدود القطر المصري شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
ولكن تأتي بعد ذلك مشكلة أعنف: كيف آتي بالمدرسين لكل هذا العدد، وقد عجزت وزارة المعارف أن تأتي بمدرسين يسدون حاجتها، مع أن عدد تلاميذ مدارسها لا يبلغ عشر معشار الأمة، ومع أن لها العدد الوفير من مدارس معلمين ومعلمات ومعاهد تربية للبنين والبنات، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله ووزارة المعارف؟
خطر لي خاطر جريء لست أدري أترتضيه أم لا ترتضيه!
خلاصة هذا الخاطر تنبني على نظرية بسيطة، وهي أنه إذا صلح الرئيس صلح المرءوس؛ وقياسا على هذه القاعدة إذا كان الرئيس ذا مروءة أصبح المرءوس ذا مروءة! وبناء على ذلك أشكل لجنة صغيرة من ذوي المروءات وأمنحهم اختصاصا واسعا جدا لا تقف في سبيله وزارة المالية بقوانينها وقيودها التي تكتف كل حركة، وأمنح هذه اللجنة الإرادة التي لا حد لها في العزل والإحالة على المعاش، وأجعلها تستقصي أحوال كل رؤساء المصالح والدواوين، وكل المديرين والمأمورين، وكل العمد ومشايخ البلاد؛ فمن ثبت لها أنه أخل بالمروءة عزلته من غير هوادة، وأحلت محله من عرف بالمروءة، ونبهت اللجنة إلى أن مقياس الكفاية للرياسة ليس العلم، ولا الذكاء، ولا الشهادة، ولا المحسوبية، ولا الحسب ولا النسب، ولكن المروءة؛ فإذا اجتمع علم ومروءة، أو ذكاء ومروءة فذاك، وإلا فالمروءة أولا والمروءة وحدها.
إن فعلنا ذلك قلد المرءوسون الرئيس في المروءة، وقلد المأمورين المديرين، وقلد العمد ومشايخ البلد المأمورين، وقلد الفلاحون العمد والمشايخ، وسرت في البلاد كلها من أقصاها إلى أقصاها نوبة تسمى «نوبة المروءة»، وبذلك أجعل من الرؤساء معلمين للمروءة يعلمون بالمثل لا بمجرد القول.
ثم أجعل للجنة المروءة هذه اختصاصا واسعا في نشر ثقافة المروءة؛ فأحاديث تدوي في الراديو تصل إلى كل أذن تشيد بأعمال المروءة، وروايات تمثل أعمال المروءة، وكتب تؤلف في لغة سهلة عذبة في سير المروءات.
وشيء آخر لا بد منه، وهو تكوين رأي عام يتطلب المروءة ويقدرها ويقومها ويكون شديد الحس بها؛ فهو يجل من أتى بأعمال المروءة ومن اتصف بها، وهو يحتقر أشد الاحتقار من حاد عنها وارتكب ما يخل بشرفها، مهما كان غنيا، ومهما كان وجيها، ومهما كان ذا سلطان، لا كرأينا العام الذي لا يعبأ بالمروءة كما يعبأ بالمنصب، والذي لا يعبأ بالنبل كما يعبأ بالمال، والذي إن احتقر أعمال اللؤم، ففي سره وفي خاصته، ثم هو حريص كل الحرص على ألا يشعر باحتقاره اللئيم المجرم، ولا أن يصل إلى سمعه شيء من أقواله في احتقاره، فهو يبطن الكره ويظهر الحب، ويبطن الاحتقار ويظهر الإجلال.