لقد كان كل نبي قبله يحمل مصباحا لقومه، فجاء محمد يحمل مصباحا للعالم.
آمن محمد بالأنبياء جميعا، وبرسالتهم جميعا، وبإصلاحهم جميعا، ودعا من يؤمن به أن يؤمن بهم، وعلم أن الحق في كل زمان واحد، قد دعا إليه كل نبي قبله، وأنه داع دعوتهم، مرسل بمثل رسالتهم، مطهر لما لحق تعاليمهم من الشوائب، مصلح لما أدخله الأتباع من الفساد، متقدم في رسالته تقدم الزمان في عقليته، مبعوث إلى الكافة، مرسل إلى العالمين.
| مدرسة المروءة
طلب إلي أخي الدكتور طه أن أضع له مشروعا لمدرسة المروءة، أبين فيه اختصاصها ومنهاجها وتبعيتها إلخ. ولا بد أن أنزل على حكمه؛ لأني دعوته فأجاب بل كثيرا ما يجيب من غير أن أدعوه، وكثيرا ما يلاحقني في مقالاتي واقتراحاتي، فإهمال دعوته إذا جريرة لا تغتفر؛ ولأن الموضوع في ذاته جد خطير، فلو ظفرنا بهذه المدرسة لأخرجت كما قال لنا: رجالا يرتفعون عن الصغائر كلها أشد الارتفاع، ويتنزهون عن النقائص كلها أعظم التنزه» وأي شيء في الوجود أنبل من هذه الغاية، وأجدر منها بالقول؟
ولكن هذا التكليف شاق عسير، صادفتني فيه عقبات جمة أسرد لك بعضها: أولها - ما المروءة التي نريد أن ننشئ لها مدرسة! لقد تعب الناس قديما وحديثا في تحديد معناها، فلم يصلوا فيه إلى قول حاسم، وهي في كل عقل بمعنى، فقد عرفها بعض اللغويين بأنها «كمال الرجولة»، ولكني لم أرتض هذا التعريف؛ لأنه يريد أن يقصر المروءة على الرجل، ومعاذ الله أن أوافقه على ذلك بعد أن أصبحت المرأة تخيفنا في كل ما نقول، فإذا لم نقل ما يرضيها غضبت، وويل لنا إذا غضبت. وهناك آنسة وقفت لي بالمرصاد، فكلما تحدثت حديثا في الراديو، أو كتبت مقالا في مجلة، كتبت إلي تعنفني على اقتصاري على جانب الرجل، أو الاكتفاء بضمائر الرجل، أو استعمال جمع المذكر السالم دون جمع المؤنث السالم، بل ولم ترض مني بجمع التكسير الذي يشمل الرجل والمرأة على السواء؛ فكيف لو ارتضيت هذا التعريف في المروءة، وهو يقول: إنه كمال الرجولة ولم يقل: كمال الأنوثة، مع أن كمال الأنوثة مروءة ككمال الرجولة؟ وكأن صاحب «لسان العرب» خاف خوفي فأسرع، وقال: إن «المروءة هي الإنسانية»، فأرضى الرجل والمرأة ونجا بجلده.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «خذ الناس بالعربية، فإنه يزيد في العقل ويثبت المروءة»، وسئل آخر عن المروءة فقال: «ألا تفعل في السر ما تستحيي منه في العلانية». وقال عبد الله بن عمر: «إنا معشر قريش لا نعد الحلم والجود سؤددا، ونعد العفاف وإصلاح المال مروءة»، وروى العتبي عن أبيه أنه قال: «لا تتم مروءة الرجل إلا بخمس: أن يكون عالما صادقا عاقلا ذا بيان مستغنيا عن الناس».
ولو عددت كل ما قيل في تعريفها لضاق المجال؛ وأنت أعلم به مني، فأي الأقوال نختار، وأي الآراء نؤسس عليه بناء المدرسة؟
ولكن هذا الإشكال يمكن حله بأن نأخذ كل هذه التعاريف وغيرها، ونمزجها وننخلها ونجعل خلاصة تكون برنامجنا؛ وسنصل في النهاية - فيما نظن - إلى تعريف أنها «كمال الإنسانية».
ثم وقعت في مشكلة أخرى؛ ذلك أني رأيت في التاريخ حادثة خطيرة حدثت للمروءة، وهي أن أهلها كلهم ماتوا في زمن من الأزمان، وأقامت المروءة عليهم الحداد، ولبست السواد، وأخذت تندبهم وتولول عليهم، ومر بها شاعر وهي على هذا الحال فقال:
مررت على المروءة وهي تبكي
فقلت علام تنتحب الفتاة؟
فقالت كيف لا أبكي وأهلي
جميعا دون خلق الله ماتوا؟
فقلت: إذا كان أهل المروءة جميعا قد ماتوا فكيف ننشئ مدرسة، ومن أين نأتي بالمدرسين؟ فإنهم إذا كانوا من أهل المروءة فقد كذبت المروءة في أنهم جميعا ماتوا، والكذب ينافي المروءة، وإذا لم يكونوا من أهل المروءة فكيف يخلقون ذوي المروءات، والشيء لا يخلق من لا شيء؟ وإخواننا الأزهريون يقولون: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ وبعد جهد جهيد تغلبت على هذه المشكلة بأن المروءة لم تكذب، وإنما كذب الشاعر؛ فهو لم ير المروءة بعينيه، ولم يحدثها وتحدثه، بدليل أن شاعرا آخر مثله وقبله قال: