كم أجهد نفسه في التفكير وأجهد روحه في البحث، وكانت عزلته في غار حراء وسيلة تفكيره. وفيم كان يفكر ويطيل تفكيره؟ في سوء ما عليه العالم، وفي سوء ما يعتقد العرب وغير العرب، وفي سوء الحالة الاجتماعية في العالم الذي رآه في جزيرة العرب، وفي العالم الذي رآه في الشام. قد يكون هذا الفساد واضحا، ولكن ما هو الحق وأين الحق؟ كان هذا هو زمن التفكير ونوع التفكير، ثم اهتدى وكان الوحي إيذانا بالهداية.
ثم كان له بعد ذلك من الله قوة في التنفيذ لا تبارى، يدعو إلى الحق ولا يحيد، ويعذب من أجل الدعوة، فينال العذاب من جسمه ولا ينال من نفسه، فهو يضرب وهو يرمى بالحجارة وهو يسيل دمه، ولكن العذاب مع ذلك كله يزيد في دعوته قوة وفي نفسه عزيمة.
ثم هو لا ييأس أبدا. فإذا أخفقت خطة وضع خطة، فإذا لم تنجح خطة الطائف فليدع غير الطائف من الأوس والخزرج حتى يكتب له النجاح.
ثم هو شجاع في كل ما تتطلبه الدعوة؛ تتوالى عليه الحداث وهو مطمئن، ويتفرق عنه أهله فلا يجزع، وتبدو عليه طلائع الهزيمة في وقعة أحد، وتكسر رباعيته ويشج في وجهه وتكلم شفته ويسيل الدم على خده، وينكشف المسلمون ويصيب فيهم العدو، ويقتل عمه حمزة، وهو هو في ثباته، وهو هو في إيمانه، وهو هو في أمله، جميع الفؤاد رابط الجأش.
فلما أن أمكنه الله من عدوه لم يذكر دمه، ولم يذكر أفاعيل خصومه، ولم يذكر قتالهم لأهله وأصحابه، إنما ذكر دعوته وذكر خير السبل في الوصول إلى تحقيقها، وذكر ما يجب أن يفعل لإنجاحها؛ فلما فتح مكة كان همه أن يدخل الكعبة ومعه بلال فيؤذن فيها ويكسر الأصنام ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» وهذا هو ما يذكره. أما الناس فليسوا موضع نقمته، وخير أن يستجلبهم لدعوته بعفوه، فيقول: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فأسرهم بعفوه، وجعل منهم إلى قوة فعالة في سبيل دعوته؛ وهكذا لم نجد مثلا يجمع بين القوة والرحمة، والصلابة والمغفرة، والإصرار واعتدال المازج كما رأينا في هذه الفعال. •••
تعاليمه الإصلاحية إلهية خالدة. أما شخصه فإنسان يخضع لكل قوانين الإنسان من شباب وشيخوخة وموت وغير ذلك.
وسبب خلود تعاليمه أنها إنسانية عامة، لم تخضع في جوهرها وأسسها الأولى لظروف الزمان ولا ظروف المكان ، فلم ينظر فيها إلى العرب وحدهم، ولا إلى الروم وحدهم، ولا إلى الناس في زمنه، إنما نظر فيها إلى الإنسان من حيث هو إنسان، فبقيت ما بقي الإنسان، ولم يفرق فيها بين عربي وغير عربي، ولم يتميز فيها غني عن فقير، ولا أبيض البشرة عن أسودها، ولا طبقة في الشعوب عن طبقة، ولا شرقي عن غربي، ولم يكن فيها نعرة جنسية، ولا نغمة أرستقراطية، ولكن فيها أن الإنسان أخو الإنسان، والأبيض أخو الأسود، والرجل أخو المرأة، والغني أخو الفقير، والملك أخو الرعية. وكانت كل رسالته وكل أقواله ترمي إلى غاية واحدة: ألا يفر الإنسان من هذا العالم بالعزلة، ولكن يكون قوة فعالة لاستئصال الشر وفعل الخير، وتمام الانسجام بينه وبين من يعيش معهم، وتحقيق العدل والإحسان له ولهم، وأن يعيش لخير نفسه وخير من معه وخير العالم؛ يجب أن تكسر الحدود الجغرافية والحدود الصناعية والفوارق الجنسية، وأن يعيش العالم وحدة تحكمه قوانين عادلة، وتسوده تعاليم حقة، ويعتنق أهله عقائد صحيحة أساسها كلها الخير العام للإنسانية؛ وهي إن اختلفت في الفروع بحسب الأقاليم وبحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية، فلن تختلف في الأصول التي تربط الإنسان بالله خير رباط، وتربط الإنسان بالإنسان خير رباط، وتخضع العقل مجردا عن التخريف والتضليل، ولحكم العواطف سليمة صحيحة قوية.
فأي شيء من هذه التعاليم لا يبقى ما بقي الإنسان؟ بل أي شيء من هذه التعاليم لا تعلو قيمته كلما علا الإنسان في قيمته ورقي في إدراكه؟