تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكم حاول خصومه في مختلف العصور أن ينتقصوا من قدره بشتى الأساليب، ومختلف الأكاذيب، فنالوا من أنفسهم ولم ينالوا منه، وحرموا لذة الحق وبقي الحق.

وكم لمحمد من نواحي عظمة ومظاهر سمو، ولكن لعل أروعها جميعا ما جاء به من دعوة، وما قام به من إصلاح.

لقد نشأ في جو خانق، وبيئة مضطربة فاسدة، وحالة اجتماعية تبعث اليأس؛ فجعل من الشر خيرا، ومن الاضطراب أمنا، ومن الفساد صلاحا؛ فالعرب قد وهبت نفسها للأصنام، وجعلت البيت الحرام - الذي بني ليعبد الله فيه - مباءة لثلاثة مئة حجر أو تزيد، تعبدها من دون الله. ومن تنصر منهم أو تهود كان قد تنصر أو تهود بنصرانية أو يهودية فقدت روحها، وتقسمتها المذاهب والشيع، ودخل على تعاليمها الأولى كثير من البدع، فلم تنجح فيهم يهودية ولا نصرانية، والحنفاء الذين ظهروا قبيل الإسلام كان صوتهم ضعيفا خافتا، عجزوا - كما عجزت اليهودية والنصرانية - أن يغيروا شيئا من حياة العرب وعقلية العرب. ثم كانت حياتهم سلسلة سلب ونهب، كل قبيلة وحدة، بل كل فرع قبيلة وحدة، وكل قبيلة في عداء مع من جاورها، لا أمن على الحياة، ولا أمن على المال، لا يفقهون معنى «أمة»، ولا يفهمون معنى لحياة سياسية أو مدنية، ولا يعرفون معنى لعلم أو فن؟ فلو أنت قلت: إن أحدا من الأنبياء والمصلحين لم يجد من اختلال أمته وفسادها ما وجد محمد من العرب، وإن أحدا منهم لم ينجح في إصلاح أمته ما نجح محمد في إصلاح العرب وغير العرب، ما عدوت الصواب.

ففي عشرين عاما استطاع بتأييد الله أن يغير كل هذه الفوضى، وأن يغير كل هذه المظاهر، وفوق ذلك أن يغير هذا الروح، فجعل من القبائل وأشباه القبائل أمة عربية واحدة، ورد الأصنام إلى أماكنها في الأرض، وساوى بينها وبين أخواتها من الحجارة، وحول عبادتهم إلى إله واحد فوق الأرض وفوق السماء، وفوق المادة كلها، هو وحده الصمد «لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد»، فرفع من نفوسهم المرتبطة بالحجارة، والمتصلة بالأرض، لتحلق فوق السماء، ولتنظر إلى العالم كله نظرة سامية عميقة، ولتحتقر عرض الدنيا في سبيل نصرة الحق.

وجد نصف العرب (وهو المرأة) ضعيفا فقواه، مسلوب الحق فرد إليه حقه، فهي كالرجل في العبادات، وهي كالرجل في المعاملات، ولها كالرجل كل الحقوق المدنية، فأكمل بذلك ترقية النصف الآخر وجعلها أقدر على إصلاح الجيل الجديد بما نالت من حرية جديدة.

آمن الرجال والنساء بتعاليم الإسلام الجديدة يعتنقونها ويذودون عنها، ويرون واجبا عليهم نشرها وتضحية النفس والمال في سبيلها، تحمسوا للدين، ولكن لا كما يتحمس الرهبان في الصوامع، إذ هجروا دنياهم لدينهم، بل لم يمنعهم إخلاصهم لدينهم من تحسين دنياهم، فهم يدينون ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، يتاجرون ويصلون، ويملكون المال ويزكون، ويعملون للدنيا كأنهم يعيشون أبدا، ويعملون للآخرة كأنهم يموتون غدا، يبلغون الذروة في عالم الروح، ويبلغون الذروة في عالم المادة؛ ففي عالم المادة إن حاربوا الفرس والروم غلبوهم وأزالوا ملكهم، وفي عالم الروح إن سابقوا الأمم الأخرى في روحانيتهم سبقوهم، فلا وثنية ولا عبادة لصور، ولا عبادة لكائن، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا إله إلا الله. •••

لئن فاخر المصلحون بتعاليمهم وبدعوتهم فمحمد

صلى الله عليه وسلم

يحق له أن يفاخر بذلك كله وبالنتائج العملية التي وصل إليها، فليس رسم الخطط وحده كافيا في التباهي، إنما المباهاة الحقة في التنفيذ والنجاح في التنفيذ، وإلا فكل رجل فوق المستوى المألوف يستطيع أن يحلم بعالم خير من هذا العالم، ويرسم لهذا العالم السعيد صورة الخلابة البديعة. ولكن المصلح الحق من يضع الخطط الملائمة للحاضر والمستقبل، ثم يضع الخطط الصالحة لتنفيذ ذلك كله، ثم يصل من ذلك كله إلى الغاية. ولقد أظهر النبي (محمد) في ذلك البراعة الفائقة، فلم يكن حالما، ولكنه فكر ثم وصل ثم عمل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢١٩