فإن شئت مثالا أوضح من هذا كله في أعمال الهدم فانظر إلى (العداوات) وما تجره من تخريب، وأعني بها العداوات بين الأفراد والأسر، والعداوات بين الطوائف والأحزاب، والعداوات بين الأمم، فأكثر هذه العداوات ليس لها غرض صحيح ترمي إليه؛ وترتقي العداوات صعدا حتى تأتي بأفظع أنواع التخريب، تخريب في النفوس وفي الأموال وفي الأخلاق وفي الحضارة. فكم جرت العداوة بين الأفراد والأسر من سفك دماء وضياع أموال وضياع زمن في الانتقام، وضياع زمن المحامي في إحضار الدفاع والمرافعة، وضياع زمن القضاة في قراءة الملفات وسماع المرافعات وتحضير الأحكام؛ فكل من في المحكمة من خصوم وكتبة ومحامين وقضاة إنما يشتغلون في الهدم، فإن أحسنت الظن قلت: إن هدمهم في الحاضر يحفظ البناء في المستقبل.
وكم جرت عداوة الطوائف والأحزاب من ويلات وخراب، فكم كانت العداوات الدينية سببا لخراب ممالك وخراب حضارات، وكم عاق حرب الأحزاب الأمم من البناء، فوجه كل حزب همه لهدم الحزب الآخر، وكم انصرفت الجهود الجبارة في عرقلة الحزب الآخر ولو أردت بالأمة، وكم كانت هذه الجهود تأتي بخير بناء لو وجهت كلها لخير الأمة.
فإذا نحن وصلنا إلى العداوة بين الأمم - إلى الحرب - فهناك الطامة الكبرى والتخريب الفظيع والموت المبيد والفناء الذريع. وقل ما شئت من الأوصاف المرعبة والنعوت المفزعة، فحسبك أن تقرأ ما قام به العلماء من إحصاء لما سببته حرب سنة 1914 من خسارة في النفس والأموال والأخلاق لتدرك صدق ما أقول.
بل إني لا أشك إن هذا الإحصاء ناقص؛ لأنهم يكتفون في الإحصاء بالخسارة الواقعة فعلا، فما بالك لو أحصوا ما يحصل من الضرائب لتصرف في شئون الحرب حتى في أوقات السلم، وما يصرف من وقت الجند في الاستعداد، وتفكير رجال السياسة وأشياعهم في الاحتياط للحرب، وما يصيب الناس من فزع كلما ساءت الحالة الدولية، إلى كثير من أمثال ذلك. أليس كل هذا من أعمال الهدم والتخريب في العالم؟
قد يقولون : إنك تنظر في كل ما قلت إلى جانب واحد من جوانب المسألة، فتنظر إلى جانب الهدم في العداوات ولا تنظر إلى جانب البناء، فكم أفادت العداوة الشخصية، فحفزت النفوس، وشحذت العقول، وكم أفادت العداوات الحزبية من دراسات للمسائل وإظهار لعيوب السياسة وتوجيه الآخذين بزمام الحكم إلى وجهة صالحة، وكم أفادت الحروب من إذكاء روح الوطنية والمنافسة بين الأمم في التقدم، والمنافسة بين العلماء في الاختراع، إلى غير ذلك!
ولكني أقول: إني لم أنس كل هذا، ولكن السؤال الصحيح هو: هل ما بنت أكثر مما هدمت؟ وهل هذا البناء الذي بنت لا يمكن أن يتحقق إلا بهذه الوسائل الجهنمية؟ إن التاجر لا يكتفي بحساب ما دخل في مخازنه من السلع، بل لا بد أن يحسب ما أنفق في سبيلها من الثمن. وأظن، بل أؤكد، أن الثمن الذي ننفقه في هذه العداوات أكثر مما نربح، وما نهدم لها أكثر مما نبني، خصوصا إذا آمنا بأن العقل البشري لم يعلن إفلاسه في إيجاد طرق شريفة للتنافس بين الأفراد والأحزاب والأمم، فنبني البناء الكثير بلا هدم أو بهدم قليل. وإلا فخبرني بربك: أي شيء في الوجود يساوي إفناء الملايين من الأرواح، وبث الفزع الهائل من حين إلى حين بين نفوس البشر، وتقطيع أكباد الأحياء حزنا على من فقدوا من أبنائهم وأزواجهم، وما أصيبوا به في نفوسهم وأموالهم؟ أظن أن كل ما يطنطنون به من مخترعات - على فرض أنها لا تنتج إلا هذه الويلات - لا تساوي الدماء المسفوكة، والأنفس الكسيرة، والقلوب المحزونة.
| محمد الرسول المصلح
كم من عظماء الرجال زالت عظمتهم أو قلت قيمتهم بمرور الزمان عليهم، وتنبه الناس تنبها صحيحا لأعمالهم، ووزنهم بموازين عصرهم. ولكن محمدا
صلى الله عليه وسلم
ظلت قيمته قيمته، وعظمته عظمته، مهما اختلفت العصور، وتغيرت الموازين؛ بل إن الزمن ليزيد عظمته وضوحا، والموازين الأخلاقية الجديدة تزيد مكانته رفعة.