تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن هذا النظر يعدل رأينا في العقوبة، فالعمل الذي يهدم أمة أشد مما يهدم شخصا، والذي يعرض النظام أشد مما يعرض ملكية الفرد للخطر، والذي يسرق لأنه جائع؛ ولأنه يريد أن يبني لنفسه بجزء مما يهدم ملكية غيره أقل خطرا ممن يسرق لداعي الطمع والشره، فيريد أن يزيد ثروته لهدم ثروة غيره، وهكذا.

وعلى كل حال فمن الممكن أن نقول: إن الجرائم في الأمة هي عمليات من عمليات الهدم وليست كل هدم.

فلنترك الآن الجرائم والعقوبات لرجال القانون؛ ولننظر لأعمال الهدم الأخرى في المجتمعات.

فهناك هدم مادي لكل أمة يجتاح مقدارا كبيرا من ثروتها، فحوادث الحريق حوادث هدم، والأمة التي لا تحتاط لها تترك أعمال الهدم والتخريب في ساحتها، وكذلك كل أعمال القوى الطبيعية العنيفة الهادمة كالسيل والفيضان العالي والصواعق والرياح والعواصف. وكلما كانت الأمة أرقى كانت أكثر احتياطا وتوفيقا في منع أعمال الهدم الطبيعية وتوقيها.

وهناك هدم سلبي ليس أقل خطرا من الهدم الإيجابي، وأعني بالهدم السلبي عدم الإنتاج مع القدرة عليه، فالأمة التي تترك أرضا واسعة من أراضيها بورا قائمة بعمل الهدم السلبي، ومثل ذلك ما إذا كان لديها مناجم لا تستغلها أو قوى طبيعية لتوليد الكهرباء لا تستخدمها أو نحو ذلك؛ فكل هذه أعمال هدم سلبية لا فرق في الضرر والأضرار بينها وبين الهدم الإيجابي.

ومن هذا القبيل أن يكون في الأمة قوى كثيرة لا تنتج، فالعاطلون في الأمة قوة للهدم سلبية؛ لأنهم يأكلون ولا يعملون، ويستهلكون ولا ينتجون، ويأخذون ولا يعوضون - وأمثال هؤلاء الأغنياء الذي لا يعملون والذين يصرفون أوقاتهم في الكسل والخمر والميسر، فهؤلاء - من غير شك - هدامون لا بناءون مهما كانت ثروتهم.

والمرضى في كل أمة قوة هادمة، بقطع النظر عما إذا كانوا معذورين في مرضهم أو ليسوا معذورين، فهذا شيء آخر غير الحقيقة الثابتة وهو أنهم هدامون. نعم إن بعض المرضى قد مرضوا اختيارا بتصرفاتهم من إفراط في (الكيوف) أو إهمال لقوانين الصحة، فهؤلاء هدامون مجرمون معا، ومنهم من مرض رغم أنفه كمن أدركته الشيخوخة، أو مرض مرضا لم يكن في وسعه أن يتجنبه، فهؤلاء هدامون لا مجرمون.

إن كان ذلك كذلك فما بالك بقوم صناعتهم في الأمة الهدم والتخريب، كتجار المخدرات والمحرضين على الفجور، فهؤلاء وأمثالهم هدمهم وتخريبهم مضاعف، هم يخربون أنفسهم وغيرهم، هم مدرسة سيئة تخرج الهدامين وتسلحهم.

فإذا نحن ارتقينا من الماديات إلى المعنويات رأينا الأمر على هذا المنوال.

فمن طرق الهدم أن تكون النظم الاجتماعية في أمة مضيعة لكفايات أفرادها؛ كأن تعطي المناصب لذوي الحسب والنسب، أو ذوي الملق والمداهنة، أو نحو ذلك، ثم تنحي عنها ذوي الكفايات ممن ليس لهم سلاح إلا علمهم وخلقهم؛ فهذا - من غير شك - عمل من أعمال التخريب المزدوج؛ لأن من شغلوا هذه المناصب لا يمكنهم أن ينتجوا لعجزهم الطبيعي؛ ولأن من أبعدوا عنها لا يمكنهم أن ينتجوا وقد حيل بينهم وبين الإنتاج.

ومن هذا القبيل ألا يكون للتعليم في الأمة ضابط، فلا إحصاء ولا توجيه، ولا دراسة لحاجات الأمة ومقدار انتفاعها بأنواع التعليم المختلفة. فالأمة التي يكثر فيها دراسو القانون كثرة تزيد عن الحاجة، ويقل فيها الزارعون والصانعون وهي إليهم في أشد الحاجة، أمة مخربة، والأمة التي لا تسمح نظمها باكتشاف ذوي الاستعدادات الممتازة فيها وتزويدهم بما يحقق نبوغهم واستغلال نبوغهم في خيرها، أمة مخربة، وهكذا.

وكذلك من أعمال الهدم في الأمة أن تسود فيها أنواع من الآداب والفنون تحطم الغرائز وتميت الشخصية، وتبيد الحيوية. فالآداب والفنون التي تنفث اليأس وتبعث على الانتحار أو الرعب، أو التي تثير الشهوات إلى أقصى حدودها حتى إذا انغمس فيها الإنسان لم يعد يصلح لعمل، أو التي تدفع إلى الحب المائع والأخلاق المنحلة، كلها آداب وفنون مخربة، هي معاول للهدم لا أدوات للبناء ، وقل مثل ذلك في روايات السينما والتمثيل وأنواع الجرائد والمجلات التي من هذا القبيل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢١٧