ولا يتم هذا الإصلاح في تكسير الحواجز إلا بما أشرت إليه وإلا باتحاد التعليم الابتدائي والثانوي لكل أفراد المتعلمين على السواء، وأن يكون التخصص في الدين كالتخصص في الرياضة والطب، لا يأتي إلا بعد المرحلة الثانية من التعليم الثانوي، فإن أراد رجال الدين أن يحتاطوا من قبل لمن يعدونهم في الدين، فليكن بزيادة المعلومات لا بنقصها.
وإذ ذاك - بعد كسر هذه الحواجز، والتقريب بين رجال الدين ورجال الدنيا، وعلماء الدين وعلماء الدنيا، وفهم بعضهم لبعض، وإجلال بعضهم لبعض - يستطيع رجال الدين أن يتزعموا الحركة الإصلاحية الاجتماعية، وأن يضعوا برنامجا اجتماعيا مؤسسا على الدين.
وإذ ذاك أيضا يكون مجال الإصلاح الاجتماعي الديني أمامهم فسيحا؛ فأمامهم تنظيم الإحسان، وقد وضع أساسه الإسلام، وأمامهم إصلاح الوقف، وفي إصلاحه تخفيف لكثير من الويلات، وأمامهم إصلاح الأسر بما وضع أساسه القرآن، وأمامهم تقويم المرأة وقد سارت وراء المرأة الأوروبية في زينتها ومباهجها، وليس في جدها وثقافتها، وأمامهم وضع خطط محكمة لتثقيف النشء والمتعلمين والأميين ثقافة دينية عصرية تستخدم وسائل التربية الحديثة وأساليب المدنية الحديثة، إلى كثير من أمثال ذلك.
وليس هذا عليهم ببعيد، فقد قطع هذا الشوط كثير من رجال الدين المسيحي في أوروبا وأمريكا، وكان لهم في شئون الإصلاح الاجتماعي ونشر الثقافة الدينية مجال فسيح، وأثر عظيم. •••
أرجو أن يتقبل رجال الدين هذا النقد بصدر رحب، وأن يستزيدوا منه، وأن تقوم أمة منهم تجهر بمثل هذه الآراء في الإصلاح والدعوة إلى تحقيق هذه الآمال، وأن يوقنوا أن لا باعث له إلا حب الخير لهم وللناس.
كما أرجو أن يكون ذلك قريبا جدا، حتى إذا سألني مثل هذا السائل أنطقتني أعمالهم، وانطلق لساني في عد مآثرهم، ووجوه إصلاحهم. والله يوفقهم.
| الهدم والبناء
إذا نحن أردنا أن نلخص تاريخ الإنسان منذ نشأته إلى اليوم وإلى الغد في كلمة، قلنا: إن كل أعماله تنحصر في الهدم والبناء، وإذا نحن أردنا مقياسا بسيطا سهلا نقيس به الأفراد والأمم فما علينا إلا أن نجمع عمل الفرد أو الأمة في البناء ونطرح منه عملهما في الهدم فباقي الطرح هو مقياسهما. وإذا أردنا أن نوازن بين شخصين أو أمتين نظرنا إلى مقدار باقي الطرح في كليهما فما زاد فهو أرقى، وإذا أحببنا الدقة في التقدير لم نكتف بتقدير الكمية في البناء والهدم، بل حسبنا في ذلك نوع ما يبنى وما يهدم، فإن قيم البناء وقيم الهدم تختلف اختلافا كبيرا بحسب نوعهما وصفاتهما وكيفيتهما، كالذي نفعله في البناء الحسي، فلسنا نقدر البناء بحجمه ومساحته فقط، بل نقدره كذلك بنوع هندسته وما إلى ذلك من أمور لا تخفى.
وقد أكثر الكتاب من القول في البناء. فالوعاظ الدينيون ورجال الأخلاق المصلحون ونحوهم إنما يتكلمون في البناء ويحذرون من الهدم، فلنأخذ نحن الآن جانب الهدم فننيره، فكثيرا ما يكون الهدم مقدمة البناء؛ بل ربما كان خير بناء ما سبقه الهدم التام.
فيمكننا أن نقول: إن الرذائل الخلقية من كذب وظلم، والجرائم القانونية من قتل وسرقة؛ لم تعد رذائل ولا جرائم إلا لأنها هدم، إما هدم لمرتكب الرذيلة والجريمة، وإما هدم للمعتدى عليه، وإما هدم لبناء المجتمع. ونحن إذا نظرنا للرذائل والجرائم من حيث هي هدم، أفادنا هذا النظر فائدة جديدة في تقويم الرذائل والجرائم، فما كان منها أشد هدما كان أكبر جرما؛ ولذلك كان القتل أفظع من السرقة؛ لأن القتل يهدم النفس والسرقة تهدم الملكية، وقد يؤدي بنا هذا النظر إلى تعديل في قائمة الرذائل والجرائم؛ فهل من المعقول مع هذا النظر أن تعد الحكومة مجرمة إذا حصلت من الأهالي مالا لا تستحقه، ولا تعد مجرمة إذا لم تمد قرية بالماء الصحي مع علمها أنها تشرب سما زعافا يقضي على عدد كثير من الأرواح ويذهب في سبيله كثير من الضحايا؟ - ليس هذا من المعقول في شيء؛ لأننا إن أقررنا عملها قومنا حق الملكية بأكثر من حق الحياة، وعددنا هدم الملكية مقدما على هدم النفوس؛ وليس ذلك بحق، وأمثلة ذلك كثيرة.