تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينشأ سلمان على دين وثني فيخلص له حتى يكون الموكل بالنار المقدسة يوقدها ولا يتركها، ثم يجيل عقله في هذا الدين فلا يرتضيه. ويبحث عن دين يعجبه فيهتدي إلى النصرانية، ولكن ليست النصرانية الشعبية، ولا النصرانية التي يحترفها رجال الدين، إنما هي النصرانية المتبتلة التي يخلص لها بعض أفراد قلائل من رجال الدين؛ فينقطعون عن العالم زهدا وورعا، ويتصلون بالله اتصالا وثيقا، ويبيعون له أنفسهم، فيتصل سلمان بأحدهم، ويتخرج على يده، ثم يلتحق بثان وثالث، كلما مات أحدهم استنصحه سلمان فيمن يتبعه من بعده. حتى إذا بلغته دعوة محمد اشتاق أن يراه، وأن يسمع منه، وأن يمتحن صدقه وإخلاصه. ولكن الشقة بين الشام ومدينة الرسول بعيدة كل البعد، عسيرة كل العسر، فيمر به قوم من كلب ذاهبون إلى الحجاز، فيسألهم أن يحملوه معهم نظير بقرات له وغنيمات فيفعلون. حتى إذا كانوا في بعض الطريق غدروا به وباعوه رقيقا ليهودي، فاتصل باليهود وعرف دينهم أيضا، فإذا هو على علم بالوثنية والنصرانية واليهودية، وتنقلت به أيدي اليهود، حتى وقع في يد رجل من يهود بني قريظة الذين يسكنون المدينة، فتم له ما أراد، واتصل بالنبي وامتحنه، فعرف صدقه فأسلم، وأعانه النبي

صلى الله عليه وسلم

على فك رقه فتحرر.

حتى إذا كانت السنة الخامسة للهجرة - وقد تجمعت الأحزاب على رسول الله، من قريش وقائدها أبو سفيان، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن، ومعهم يهود المدينة - رأى المسلمون أن يحتموا منهم بضرب الخندق على المدينة. ولم يكن حفر الخندق من عادة العرب في حروبهم، ولكنه من مكايد الفرس، فروى المؤرخون أن الذي أشار به سلمان الفارسي.

ويخرج أميرا على جيش من جيوش المسلمين لغزو فارس في عهد عمر، فيحاصرون حصنا من حصون فارس، فيقول له المسلمون: ألا نقاتلهم يا أبا عبد الله؟ فيقول سلمان: دعوني حتى أدعوهم كما سمعت رسول الله يدعوهم. فيقول لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، ألا ترون العرب تطيعني؟ فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون. ويكلمهم بالفارسية فيقولون: لا نؤمن ولا نعطي الجزية. فيقول الجيش: ألا نقاتلهم؟ فيقول: لا. فيدعوهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، فإذا أصروا قاتلهم ففتحوا الحصن. •••

أظهر ما في صورة سلمان بعد ذلك شيئان: علمه وطريقة حياته. فأما علمه فهو مساير تمام المسايرة لما رووا من تاريخ حياته؛ فهو رجل تعمق في الوثنية حتى عرف أسرارها ووكل بشعائرها، ثم عرف النصرانية وأخذ عن رهبانها، وانقطع لدراستها وتطبيقها، وكان يتحرى المشهورين من رجالها فيرحل إليهم ويتصل بهم، ثم وقع في يد اليهود فرأى منهم كيف يعبدون وسمع منهم ما يروون، ثم أسلم واتصل أكبر اتصال بمنبع الإسلام في أزهر أيامه. فكيف لا يكون بعد عالما؟

وناحية أخرى من العلم وهو ما أتيح له في حياته، ولم يتح لأكثر الصحابة في عهد النبوة، تلك تطوافه في أعظم الممالك الممدنة قبل اتصاله برسول الله، فقد نشأ في فارس ورأى مدنيتها وخبر أهلها وورث دماءها، ثم رحل إلى الشام ورأى مدنية الرومان وعرف أحوالها، وتنقل - كما يقولون - بين الموصل ونصيبين وعمورية وغيرها. وكان إذ ذاك في سن ناضجة، فقد وصل إلى المدينة وأسلم وهو في نحو الخمسين من عمره.

هذه الدراسات الدينية المختلفة، وهذه التجارب الكثيرة المختلفة، تجعل منه - من غير شك - في جزيرة العرب شخصا ممتازا بالعلم.

لذلك روي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن سلمان. فقال: من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ ذاك امرؤ منا أهل البيت، أدرك العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر.

أما نوع حياته فقد تبع طبيعة مزاجه الذي لازمه منذ نشأته، فاعتكف في الوثنية، وترهب في النصرانية، وتزهد في الإسلام. وهذه النزعة التي جعلته يحل مكانا بارزا بين رجال الصوفية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢١٣