ثلاثا: الحبشة، والرومان، والفرس، يتصل بها العرب في تجارتهم، وفي رحلاتهم، وفي حياتهم السياسية والاجتماعية، فإذا أوذي المسلمون في إسلامهم هاجروا إلى الحبشة، وإذا رحل تجارهم إلى الشام فقد اتصلوا بالرومان، وإذا اتصل عرب الحجاز بعرب اليمن، فقد اتصلوا بمملكة كسرى. وللفرس إمارة عربية تحتضنها، وهي إمارة المناذرة، وللرومان إمارة مثلها تحتضنها، وهي إمارة الغساسنة، ولكل من المناذرة والغساسنة اتصال وثيق بالحياة الأدبية والاجتماعية والسياسية للعرب عامة.
ومن العجيب أن نرى ثلاثة من عظماء الصحابة، كل ينتمي إلى أمة من هذه الأمم العظيمة، وكل له منزلة كبيرة في الإسلام، وكل له دور خطير في حياة المسلمين الأولى! هم: بلال الحبشي، وصهيب الروماني، وسلمان الفارسي.
فبلال كان غلاما حبشيا، أسمر شديد السمرة، نحيفا طويلا، وكان من المستضعفين فأعزه الإسلام، وكان للمسلمين الأولين بمنزلة الموسيقى للجيش، يؤذن لهم فيهيج مشاعرهم، ويجلجل بصوته بينهم فيملؤهم روعة وحنانا، وحماسة وقوة.
وأما صهيب الروماني، فكان أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى القصر أقرب، يرتطن لسانه عجمة رومانية، تربى ناشئا في بلاد الروم، يتكلم بلسانهم ويعيش عيشتهم، ثم دفعت بع المقادير إلى مكة، فكان من أول الناس إسلاما، واصطحبه رسول الله في الغزوات، واختاره عمر عند موته ليصلي بالناس حتى يجتمعوا على خليفة.
وأما صاحبنا سلمان ففارسي، نشأ نشأة فارسية في قرية من قرى أصفهان، لم يشهد نشأة الإسلام في مكة كما شهدها بلال وصهيب، وإنما شهد النبي بعد هجرته إلى المدينة.
ولعل كلا من هؤلاء الثلاثة يمثل قومه ويصور جنسه؛ فبلال شديد التحمس لدينه في بساطة قلب، وهو إلى ذلك يجيد الرمي ويصيب الهدف، يعذبه أمية بن خلف الجمحي في بدء إسلامه، ويواليه بالعذاب والمكروه، فيحتفظ بلال بذلك في نفسه، حتى إذا جاء يوم بدر يرميه بلال بسهم فلا يخطئه ويميته، وهكذا الحبشة، بساطة وتحمس للعقيدة وإجادة للرمي.
وصهيب كان مسرفا في المال، وكان كذلك من أرمى الناس، وكان لطيفا حسن الدعابة، ظريف الفكاهة، وكذلك الرومان.
وكان سلمان يمثل النزعة الروحية الصوفية الزاهدة، كما كان شأن بعض الفرس في الإسلام.
وكان ثلاثتهم يعتزون بالإسلام. ولا يعتزون بغيره، فقد كانوا موالي ثم تحرروا، والعرب شديدو الفخر بعربيتهم، شديدو الاعتزاز بدمهم، شديدو التغني بحريتهم، شديدو الأنفة على غيرهم؛ فما كان لهؤلاء الموالي من غير العرب أن يفخروا بحبشية بينهم أو رومية أو فارسية، إنما يفاخرون بالإسلام وبالإسلام وحده، فهو الذي أهدر العصبية الجنسية، وأقام القيمة الذاتية، ورفع شأن القيمة الدينية؛ ولذلك كانوا يغضبون من هذه النعرة الجنسية ولا يحبونها، ويرون أن هذه العظمة القبلية لا تستحق البقاء، ويجب أن يقتل أهلها في غير هوادة؛ فقد رووا أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: «ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها»، فقال أبو بكر: «أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟»
عل كل حال، كان بلال الحبشي، وصهيب الروماني، وسلمان الفارسي، من أبرز الشخصيات الإسلامية وأكثرها دويا، ولكن كان من حسن حظنا وحظ سلمان أن كانت الدولة العباسية دولة فارسية في رجالها ونظامها ومؤرخيها؛ فكثير ممن دونوا العلم والتاريخ من أصل فارسي، فقدموا لنا صورة جميلة زاهية شعرية لسلمان. ولم يكن من المؤرخين الحبشي ولا الروماني الذي يقدم لنا مثل هذه الصورة لبلال أو صهيب، فكانت الصحف التي تروي لنا أحداث بلال وصهيب أقل جدا مما تروي لسلمان. •••
تمثل لنا هذه الصورة سلمان نشأ في بلدة من أصفهان في بيت غني، فكان أبوه دهقانا أي: رئيس إقليم، وكان سلمان من صنف أولئك الأفراد الذين ينشأون وبين جنوبهم عاطفة دينية قوية، يقودها عقل قوي باحث. وقد روى التاريخ لنا أمثلة كثيرة منهم، كإبراهيم بن أدهم، والغزالي.