تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد آخى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بينه وبين أبي الدرداء، ولعل سبب الإخاء ما بينهما من تشابه في نزعة الزهد، ولكن أبا الدرداء غالى فرأى من الزهد أن يصوم نهاره ويقوم ليله، حتى تشكو منه امرأته، فيقول له سلمان: إن لأهلك عليك حقا، فصل ونم، وصم وأفطر. فيبلغ ذلك النبي

صلى الله عليه وسلم ، فيقر سلمان على قوله.

أما سلمان فيتزوج ويظن أن العرب قد أهدروا العصبية، فيخطب بنت عمر، ناسيا ولاءه وناسيا أن العادات لا يمكن أن تستأصل فجأة، فيأتي إليه قوم عمر يرجونه أن يعدل عن هذه الخطبة، فيعدل ويقول: والله ما حملني على هذا إمرته ولا سلطانه، ولكني قلت: رجل صالح عسى الله أن يخرج مني ومنه نسمة صالحة، ثم يتزوج في كندة، فإذا تزوج كره أن يفرش له، ويصيح في أهل زوجته: أتحولت الكعبة هنا أم هي حمى؟ ويسأله العرب على عادتهم في الصباح: كيف وجدت أهلك؟ فيرد عليهم: ما بال أحدكم يسأل عن الشيء قد وارته الأبواب والحيطان؟

كان - إذا - يتزوج ويعمل بما أوصى به أخاه أبا الدرداء من أن لبدنه حقا ولأهله حقا، ولكنه كأبي الدرداء لا يرى السعة في العيش، ولا الترف في الحياة، فكان شعاره دائما ما كان يكرره: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب».

ويفتح على المسلمين ويخصص لكل منهم عطاء حسب الأسبقية في الإسلام، فيكون عطاء سلمان نحو أربعة آلاف درهم، فيخرج عنها ويعيش من عمل يده عيشة الكفاف.

ويؤمر على المدائن (كما يروي بعض المؤرخين)، فلا يحفل بإمارة ولا يحيطها بمظاهر الأبهة والعظمة والسلطان؛ بل يعيش كما كان، يخطب الناس في عباءة، ويخرج على جمار عري، وعليه قميص قصير، فيضحك من رآه ويشبهونه بلعبة، فيبلغه ذلك فيقول لمبلغه: دعهم فإنما الخير والشر فيما بعد اليوم.

ويكره الإمارة فيتركها ويقول: كرهني فيها حلاوة رضاعتها ومرارة فطامها.

ويسكن أبو الدرداء بيت المقدس ويتولى فيها القضاء، ويدعو أخاه سلمان إلى الأرض المقدسة، فيكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا

1 ، فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار.

ويظل في المدائن حتى يموت بها سنة 35ه في آخر خلافة عثمان، ويزوره الأمير سعد بن مالك في مرض موته فيقول سلمان: أيها الأمير اذكر الله عند همك إذا هممت؛ وعند لسانك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت، قم عني. ويطلب من زوجته وهو على فراش موته أن تأتيه بصرة من مسك كان قد ادخرها، فيأمر بها أن تداف وتجعل حول فراشه، وإذ ذاك يسلم روحه إلى خالقه.

| سؤال وحيرة في جواب

بالأمس قابلني شاب أمريكي يحضر لشهادة عليا في إنجلترا، هو مثال الجد والإخلاص لعمله، ينتهز وجوده في مصر فيزور مكاتبها، ويلقى علماءها وأدباءها، ويجول في الشوارع يدرس ما تدل عليه ظواهر الناس ومعاملاتهم وسلوكهم من دلالات اجتماعية، ويسمع لغة العوام ويوازنها بلغة الخواص؛ وعلى الجملة يقضي أكثر وقته باحثا منقبا مستفيدا، لا يعبأ بحر جو ولا متاعب غربة.

وبعد كلمات التعارف المتعارفة، وجه إلي هذا السؤال:

ما هي النزعات الجديدة للإصلاح الاجتماعي في مصر ، وخاصة ما كان منها مؤسسا على الدين؟

سكت هنيهة أفكر، ومر في ذهني إذ ذاك جملة أشياء مرور «شريط السينما»، مر في ذهني «قاسم أمين» ودعوته إلى تحرير المرأة، ومر في ذهني «الجمعية الخيرية الإسلامية»، وما قامت به من تعليم فقراء، وإحسان إلى المحتاجين، وبناء مستشفاها الجديد، ومر بذهني الأزهر وما مر عليه من وجوه إصلاح، ومر بذهني الدعوة إلى النهوض بالفلاح، ومقدار ما لقيت من خيبة أو نجاح، ومر بذهني أخيرا إنشاء وزارة منذ أيام لإصلاح الشئون الاجتماعية.

ولكني لا أكتم القارئ أني شعرت بمرارة وانقباض شديدين، لعل سببهما أني أحسست نوعا من خيبة أمل مخزونة في نفسي، وأني كنت أؤمل أن يكون في أعمال قومي ما ينطلق به لساني، وينشرح له صدري.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢١٤