تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل من أهم أسباب الحزن ضيق الأفق وكثرة تفكير الإنسان في نفسه، حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والأمة والحكومة والميزانية والسعادة والرخاء، كلها خلقت لشخصه، فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه، ويديم التفكير في نفسه وعلاقة العالم بها، وهذا - من غير ريب - يوجب البؤس والحزن، فمحال أن يجري العالم وفق نفسه؛ لأن نفسه ليست المركز، وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط العظيم، فإن هو وسع أفقه، ونظر إلى العالم الفسيح، ونسي نفسه أحيانا، ونسي نفسه كثيرا، شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي تثقل بها نفسه، قد خفت شيئا فشيئا وتحللت شيئا فشيئا. وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغا أشدهم ضيقا بنفسه؛ لأنه يجد من زمنه ما يطيل التفكير فيها إلى درجة أن يجن بنفسه؛ فإن هو استغرق في عمله وفكر في أمته وفكر في عالمه، كان له من ذلك لذة مزدوجة، لذة الفكر والعمل، ولذة نسيان النفس.

ولعل من أول دروس فن السرور أن يقبض على زمام تفكيره فيصرفه كما يشاء؛ فإن هو تعرض لموضوع مقبض - كأن يناقش أسرته في أمر من الأمور المحزنة أو يجادل شريكه أو صديقه فيما يؤدي إلى الغضب - حول ناحية تفكيره وأثار مسألة أخرى سارة ينسى بها مسألته الأولى المحزنة؛ فإن تضايقت من حديث ميزانية البيت فتكلم في السياسة، وإن آلمك حديث «الكادر» فتكلم في الجو، وانقل تفكيرك كما تنقل بيادق الشطرنج.

ثاني الدروس أو ثالثها - لا أدري - ألا تقدر الحياة فوق قيمتها، فالحياة هينة، وكل ما فيها زائل، فاعمل الخير ما استطعت، وافرح ما استطعت؛ ولا تجمع على نفسك الألم بتوقع الشر ثم الألم بوقوعه، فيكفي في هذه الحياة ألم واحد للشر الواحد.

وأخيرا، فاعل ما يفعله الفنانون، فالرجل لا يزال يتشاعر حتى يكون شاعرا، ويتخاطب حتى يصير خطيبا، ويتكاتب حتى يكون كاتبا؛ فتصنع الفرح والسرور والابتسام للحياة حتى يكون التطبع طبعا.

| طب النفس

من المشاهد أن الناس يؤمنون أشد الإيمان بمرض أجسامهم، ولا يؤمنون بمرض نفوسهم، فإذا شعر أحدهم بمرض جسمي أسرع إلى الطبيب يصف له أعراضه، ويستوصفه دواءه، وينفذ أوامره مهما دقت، ويبذل في ذلك الأموال مهما جلت، ثم هو يمرض نفسيا، فلا يأبه لذلك، ولا يعيره عناية، ولا يستشير طبيبا نفسيا، ولا يعني بدرس الأعراض ومعرفة الأسباب، وقد يلح عليه مرض النفس ويصل به إلى اليأس، فلا يسعى لعلاج ولا يجد في معرفة دواء، كأن نفسه أهون عليه من جسمه، وروحه أتفه من بدنه.

ومن أجل عناية الناس بأجسامهم دون نفوسهم، كان لدينا نظام شامل واف لطب الأجسام دون طب النفوس؛ فمدرسة لتخريج الأطباء حتى للطب البيطري، ومعاهد للتشريح والتجارب، وتخصص في الأمراض؛ فهذا طبيب عين، وهذا طبيب أنف وحنجرة، وهذا طبيب أسنان، وهذا طبيب باطني إلخ، وكان لكل حي طبيب أو أطباء، ولكل مدرسة طبيب، ووجدت المستشفيات في أنحاء الأقطار، وعدها الناس عملا خيريا يتبرعون له بأموالهم، كما عدتها الحكومات ضرورة اجتماعية، ترصد لها الأموال في ميزانيتها، وأنشئت الصيدليات في كل حي وكل شارع لتلبية طلبات الأطباء والجماهير في كل وقت إسعافا للجسم في مرضه وفي ترفه.

وخضعت هذه النظم لسنة الارتقاء، فهي تساير الزمان، وتستفيد مما يؤدي إليه البحث والعلم، تتكيف حسب ما تقضيه الأحوال، وتجهز بأحدث المخترعات.

والعقل عني به بعض هذه العناية، فكان أطباء للأعصاب، ومستشفيات للمجاذيب، وبحوث وتجارب في أمراض العقل وعلاجه.

أما النفس فحظها من ذلك كله حظ الأرنب بجانب الأسد، فلا الناس يقدرون خطورة أمراضها، ولا تنشأ المدارس لأطبائها، ولا تؤسس المستشفيات لعلاجها.

مع أني أعتقد أن آلام الناس من نفوسهم أضرارها من مرضى الجسوم، وللنفس أمراض لا حصر لها، تختلف كاختلاف أمراض الجسم إلى مرض عين ومرض معدة ومرض أمعاء؛ فهناك حميات نفسية متعددة كحميات الأجسام، وهناك ميكروبات نفسية كالميكروبات المادية، وهناك عدوى تصيب النفوس كعدوى الأجسام، وهناك انفعالات تحرق النفس وتضني البدن، إلى آخر ما هنالك، ولكل هذه الأمراض علاجات تختلف باختلاف المرض وباختلاف الشخص، ولها أدوية من جنسها، منها ما يسكن الألم، ومنها ما يشفي المرض ؛ وهي في دراستها وتشخيصها وعلاجها أدق وأصعب منالا وأغمض كشفا، والفرق بينها وبين أمراض الجسم وعلاجه كالفرق بين الجسم والنفس.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٠٩