ومن أهم الأسباب في أن أمم الغرب أقدر على السرور من أمم الشرق، أن تاريخ الغرب الحربي متسلسل متتابع، ومن مزايا الحروب أنها تصهر الأمم وترخص الحياة، وتهون الموت، وإذا رخصت الحياة وهان الموت رأيت المرء لا يعبأ بالكوارث إلا بقدر محدود؛ وإذا كان لا يهاب الموت فأولى ألا يهاب ما عداه؛ لأن كل شيء غير الموت أهون من الموت، فكل أسرة أوروبية لها رجال فقدوا في الحرب، أو أصيبوا في الحرب أو ابتلوا بنوع من كوارث الحرب، فعلمتهم الطبيعة التي تعادل بين الأشياء أن يتقبلوا هذه الرزايا بقوة احتمال، ونشأ عن هذا أنهم لا ينغصون حياتهم بذكرى الرزايا، فأولى ألا ينغصوها بتوافه الأمور.
أما أمم الشرق فقد مر عليهم دهر طويل لم يكونوا فيه أمما حربية؛ بل كانوا مستسلمين وادعين، يتولى غيرهم الدفاع عنهم، وإن حاربوا فحرب الضرورة، وحرب الأفراد لا حرب الشعوب، فاستفظعوا الموت، وغلوا في الحرص على الحياة، ولم يصابوا بكوارث شعبية يستعذبون معها الموت والتضحية، وتبع ذلك رخاوة العيش وعدم القدرة على الاحتمال، وتهويل الصغائر والجزع من توافه الأمور. ولا دواء لهذا إلا التربية القوية، وبث الأخلاق الحربية.
وسبب آخر لقلة السرور في الشرق، وهو سوء النظم الاجتماعية، ففي كل بيت محزنة من سوء العلاقات الزوجية والعلاقات الأبوية، وفي كل مصلحة أهلية أو حكومية مأساة من سوء العلاقات المصلحية وأحاديث الدرجات والعلاوات، وعدم التعاون في حمل الأعباء، وبناء المعاملات على الفوضى والمصادفات لا النظام والقانون.
ثم عدم القدرة على خلق أسباب السرور الاجتماعية؛ فاجتماعات المنازل التي تبعث السرور محدودة ضيقة نادرة، وفي كثير من الحيان تنتهي بمنغصات؛ والملاهي العامة إما داعرة لا ترضي الذوق السليم، ولا ترمي إلى غرض شريف، وإما تافهة لا يجملها فن، ولا يرقيها ذوق، ومن أجل ذلك كان أشد الناس بؤسا في الأمم الشرقية الطبقة المثقفة المهذبة التي رقي ذوقها؛ فهي لا تكاد تجد لها ملهى يتفق وذوقها، إلا بعض شرائط السينما، وهي - على قلتها - لا تشبع رغبتهم في السرور، ولا تكفي في تخفيف أعبائهم في الحياة. •••
ومع هذا كله ففي استطاعة الإنسان أن يتغلب على كل هذه المصاعب ويخلق السرور حوله. وجزء كبير من الإخفاق في خلق السرور يرجع إلى الفرد نفسه، بدليل أنا نرى في الظروف الواحدة والأسرة الواحدة والأمة الواحدة من يستطيع أن يخلق من كل شيء سرورا، وبجانبه أخوه الذي يخلق من كل شيء جزنا؛ فالعامل الشخصي - لا شك - له دخل كبير في خلق نوع من الجو الذي يتنفس منه؛ ففي الدنيا عاملان اثنان: عامل خارجي وهو كل العالم، وعامل داخلي وهو نفسك، فنفسك نصف العوامل، فاجتهد أن تكسب النصف على الأقل؛ وإذا فرجحان كفتها قريب الاحتمال، بل إن النصف الآخر - وهو العالم - لا قيمة له بالنسبة إليك إلا بمروره بمشاعرك، فهي التي تلونه، وتجمله أو تقبحه، فإذا جلوت عينيك وأرهفت سمعك وأعددت مشاعرك للسرور فالعالم الخارجي ينفعل مع نفسك فيكون سرورا.
إنا لنرى الناس يختلفون في القدرة على خلق السرور اختلاف مصابيح الكهرباء في القدرة على الضياء؛ فمنهم المظلم كالمصباح المحترق، ومنهم المضيء بقدر كمصباح النوم، ومنهم ذو القدرة الهائلة كمصباح الحفلات؛ فغير مصباحك إن ضعف، واستعض عنه بمصباح قوي ينير لنفسك وللناس.
ولكن ما الوسيلة إلى ذلك؟
مما لا شك فيه أن غلبة الحزن مرض قد ينشأ من عوامل كثيرة مختلفة، فمن الخطأ رجوعها كلها إلى علة واحدة؛ وإذا فمن الخطأ وضع علاج واحد للعلل كلها، ولكن فحص كل نفس وأسباب حزنها ووضع العلاج الخاص بها لا يستطيعه إلا طبيب نفسي ماهر. أما الكاتب فلا يستطيع إلا قولا عاما ووصفا مشتركا، وتعرضا للمسائل العامة.