فما أحوجها إلى أطباء مهرة، ومستشفيات صالحة معدة، ودراسات عميقة منتجة، ونظم ترقى مع الزمان رقي طب الأجسام.
لعل الذي صرف الناس عن علاج نفوسهم إلى علاج جسومهم أنهم أو الكثير منهم لا يزالون يسبحون في دائرة الحس وحده، ولم يرتقوا إلى ملاحظة النفوس وشئونها؛ فإذا جرح الإنسان جرحا بسيطا في جسمه هرع إلى الطبيب يعالجه ويحتاط له، وإذا كسر عظمه ذهب إلى الطبيب ليجبر كسره، ولكن إذا جرحت نفسه ولو جرحا عميقا، وكسرت ولو كسرا خطيرا احتمل الألم من غير بحث عن علته أو نتائجه أو طرق مداواته؛ لأنه لا يزال ماديا في إدراكه أوليا في تفكيره.
أو لعل السبب أن الناس لا يؤمنون بأطباء النفوس إيمانهم بأطباء الأجسام، فهم لا يعتقدون في صلاحيتهم، ويشكون كل الشك في قدرتهم على علاجهم، فيستسلمون للمرض النفسي كما يستسلمون لمرض جسمي استحال شفاؤه ولم يستكشف دواؤه؛ إن كان هذا فعلى الطب النفسي أن يثبت قدرته ويبرهن على نجاحه حتى يقبل الناس عليه ويؤمنوا به.
وقد يكون السبب أن الناس يؤمنون بسهولة أمراض النفس وقدرتهم على علاجها والاشتفاء منها من غير طبيب، فما عليه إن كان حزينا إلا أن يضحك أو منقبضا إلا أن يتسلى؛ وهذا خطأ بين، فأمراض النفوس كأمراض الجسم فيها ما يداوى بحمية، وفيها ما يستعصي على الطبيب الماهر والخبير الحاذق. •••
لعلك تزعم أن هذه الناحية من طب النفوس لم تهمل بتاتا، فهناك المدارس للتهذيب، فيها إصلاح النفوس وفيها دروس الدين والأخلاق لمعالجة الأمراض، وهناك الوعاظ لإرشاد الناس وعلاج النفس، وهناك العرف والقوانين توجه الناس إلى الخير وتحذرهم من الشر، وفي ذلك تهذيب لنفسهم وإصلاح لجوانب الشر فيهم.
ولكن يظهر لي أنها كلها مع فائدتها لا تكفي؛ لأنها - من ناحية - تكون علاجا عاما يقال لكل الأشخاص، وتخاطب بها كل النفوس، كالطبيب يذكر ضرر الإفراط في الأكل، وأضرار كثرة التدخين، وفائدة الرياضة البدنية وفائدة الاعتدال في المأكل والمشرب، وهي قل أن تتعرض للأزمات النفسية الخاصة بكل نفس وما أحاط بها من ظروف خاصة، ونوع النفس وما يلزم لها من علاج خاص بها، وهي أقرب ما تكون إلى الوقاية لا إلى العلاج، وللاحتياط من الوقوع في المرض لا لعلاج المرض، فإن تعرضت لعلاج وصفت علاجا عاما للناس على السواء، إذ ليس في استطاعتها - غالبا - أكثر من ذلك.
ومن ناحية أخرى أكثر ما بأيدينا منها اليوم لم يؤسس على ما وصل إليه العلم الحديث، ولم يبن على ما استكشف من قوانين علم النفس على قلة ما استكشف منها؛ فالدراسة الحديثة أبانت عن اتجاهات كانت غامضة، وأخطاء كانت ترتكب في تصور النفس وإدراكها وجرائمها وطرق تهذيبها، ولا يزال علماء النفس يقرون بأنهم في أولى مراحلهم، ولم يقولوا في النفس إلا الكلمة الأولى، فكان من المعقول أن يساير التهذيب ودراسة الأخلاق وعلاج النفس ما وصل إليه علم النفس والاجتماع، كما يساير علم طب الأجسام ما يستكشف من مخترعات، فآلام الجراحة اليوم غيرها بالأمس، والمادة الطبية اليوم غيرها بالأمس وهكذا، ولكن ذلك لم يكن.
وربما مكان أقرب المناحي إلى طب النفس منحى الصوفية؛ فقد كان لكل مريد شيخه يفضي إليه بدخائل قلبه وأزمات نفسه، ووساوسه وخطراته وآلامه وتوجهاته، والشيخ يصف لكل مريد ما يراه أنسب له وأقرب لعلاجه، ويصف له طرقا يسلكها، واتجاهات يتجهها، وأورادا يتلوها، يرى أنها تشفي مرضه، وتبرئ نفسه، وله في كل مريد نظرته وفراسته، بها يشخص وبها يصف. ولكن تكاد تقتصر هذه الحالة بين المريد والشيخ على الأزمات الدينية. أما ما عدا ذلك من أزمات دنيوية واجتماعية، فقلما يتناولها المريد والشيخ. على أنه، من لكل مريد بهذا الشيخ الدقيق النظر، الصائب الفكر، الصادق الفراسة، الموفق في تبين المرض ومعرفة العلاج. •••