تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعمر المبارك هو الذي عرف صاحبه كيف يستغله، والعمر غير المبارك هو الذي جهل صاحبه كيف يستغله، وهكذا. •••

ولكن مما لا شك فيه أن المسألة ليست بهذا القدر من البساطة والوضوح؛ ففي الحياة أمور معقدة خفية تجعل الأمر أعقد من هذا وأصعب.

فقد يكون المرء سائرا على قوانين الاقتصاد في دقة وإحكام كما ترسم قوانين الاقتصاد، ومع ذلك تضطرب ماليته، وتسوء حالته لأسباب لا دخل له فيها، كأن يصاب هو أو أحد أفراد أسرته بمرض يتطلب مالا كثيرا فتختل ميزانيته وتذهب بركتها، ولا دخل له في ذلك، أو يحدث حادث سماوي يتلف زراعته، أو يصاب بكارثة مالية ليست في الحسبان، أو تدهمه سيارة تكسر رجله بخطأ من السائق، أو نحو ذلك من تصاريف القدر؛ فكل هذه وأمثالها قد تفسد عليه نظامه المالي وتربكه ارتباكا شديدا، مع أنه الحريص في تصرفاته الحكيم في تدبير ماله؛ وكذلك نرى في الدنيا عكس هذا، نرى المسرف المبذر الساخر من قوانين الاقتصاد، ومع ذلك يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب، فيبارك له في معيشته رغم تبذيره ورغم القوانين الطبيعية والاقتصادية.

وكذلك الشأن في الأولاد، قد ينشأون خير تنشئة، ثم يصابون بصحبة من يفسدهم، مع أن الآباء قد بذلوا في تربيتهم كل جهد، وساروا على قوانين التربية بكل دقة، والعكس صحيح. ويعجبني في ذلك قول الشاعر:

فموسى الذي رباه جبريل كافر

وموسى الذي رباه فرعون مرسل

هذا كله صحيح، وهذه أمور تستوجب التفكير، وليست الإجابة عنها يسيرة؛ ولكن ألست معي في أن هذه أمور استثنائية في الحياة؟ وربما كانت هي الأخرى خاضعة لقوانين لم تستكشف بعد؟ أليس من الخير أن نسير من القوانين على ما علم ونلتزمه، ونؤمن بالقوانين القليلة التي لم نعرفها حتى نعرفها؟ أو الخير أن نهمل كل القوانين؛ لأننا نجهل بعضها؟

أظن من الخير أن نسير حياتنا على ما علم، فإذا أردنا البركة فلنسر على قوانين الطبيعة، ولا يضيرنا أن يكون جزء من حياتنا في يد القدر.

وعلى حسب تفسيرنا، إن كان هذا المقال سائرا على قوانين الفن مثيرا للنظر، ناجح الأثر، ففيه البركة، وإلا فلا بركة فيه، والعلم عند الله.

| فن السرور

نعمة كبرى أن يمنح الإنسان القدرة على السرور، يستمتع به إن كانت أسبابه، ويخلقها إن لم تكن.

يعجبني القمر في تقلده هالة جميلة تشع فنا وسرورا، وبهاء ونورا، ويعجبني الرجل أو المرأة يخلق حلوه جوا مشبعا بالغبطة والسرور، ثم يتشربه فيشرق في محياه، ويلمع في عينيه، ويتألق في جبينه، ويتدفق من وجهه.

يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط ليسر مالا وبنين وصحة؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء؛ وفي الناس من لا يستطيع أن يشتري ضحكة عميقة بكل ماله وهو كثير، وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية واسعة بأتفه الأثمان، وبلا ثمن. •••

مع الأسف ألاحظ أن كمية السرور في مصر والشرق قليلة. كما لاحظت من قبل أن كمية الحب في مصر والشرق قليلة، وليست تنقصنا الوسائل، فجونا جميل، وخيراتنا كثيرة، وتكاليف الحياة هينة، ووسائل العيش يسيرة، ومصائب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب؛ ومع هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل.

أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فن، والسرور كسائر شئون الحياة فن؛ فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظي به، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقي به.

أول درس يجب أن يتعلم في فن السرور «قوة الاحتمال»، فأكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما إن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس البصر، تتناجى الهموم في صدره، وتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي وأكثر منها إذا حدثت لمن هو أقوى احتمالا، لم يلق لها بالا، ولم تحرك منه نفسا، ونام ملء جفونه رضي البال فارغ الصدر. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٠٧