تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونرى رجلا رزق الحظوة في أولاده، فبناته زوجن خير الأزواج، وأبناؤه ما شئت من استقامة ونجاح، هذا زراعي ناجح، وهذا عالم ناجح، وهذا صانع ناجح؛ ورجلا آخر خاب كل الخيبة في أولاده، فبناته مع أزواجهن مصدر نزاع دائم، وقضاياهن في المحاكم لا تنتهي، وأبناؤه بين سكير ومقامر ومحتال، فيقولون في الأول: «إن في ذريته البركة» وفي الثاني: «لا بركة له في أولاده».

فما هي هذه البركة؟ أهي حجر الفلاسفة وكيمياء السعادة، وسر مكنون كالروح، نرى أثره ونعجز عن إدراك كنهه؟ أم هي قوانين الطبيعة التي يشرحها عالم الاقتصاد في شئون المال؟ وعالم الأخلاق في شئون الأخلاق، وعالم التربية في شئون التربية، وأن الأمر ليس سرا مكنونا، وإنما هي قوانين طبيعية مكشوفة، لها مقدماتها ونتائجها المحتومة، من سار على المقدمات وصل إلى النتائج المعينة حتما، ومن لم يسر عليها لم ينل نتائجها حتما؟

أما بعد، فإني أميل إلى الرأي الثاني «ورزقي على الله».

فالموظف الذي يتقاضى مئة في الشهر ويستدين، سبب انعدام بركته عدم سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة؛ والموظف الذي يتقاضى عشرة ويعيش عيشا رغيدا، سبب بركته سيره على قوانين الاقتصاد الطبيعية المعروفة؛ فقد وضع الاقتصاد قوانين واضحة، يتطلب أمورا: منها أن يكون إيجار منزله بنسبة كذات من مرتبه، وحاجات منزله كذا إلخ ، وأن تقدم الضروريات على الكماليات، وأن يحسب حساب ما يشتري ويوازن بينه وبين المال الذي ينفق فيه، إلى غير ذلك من القوانين؛ فكلها إذا سار عليها سائر انتظمت ماليته وكانت مباركة، وإن لم يسر عليها اختلت ميزانيته وكانت غير مباركة، والاقتصاد يسمي من يسير على القوانين «مقتصدا» أو سائرا على قوانين الاقتصاد، ومن لم يسر مسرفا أو مبذرا أو مخالفا للقوانين الاقتصادية؛ والناس يسمون المال مباركا أو غير مبارك، وفيه بركة أو انتزعت منه البركة؛ والاختلاف ليس إلا في التعبير والمعنى واحد.

وكل ما يمكن أن يقال: أن العلم بهذه القوانين وعدم العلم بها ليس له كبير شأن في الموضوع؛ فقد يكون الرجل ماهرا في علم الاقتصاد، درس في مصر ودرس في إنجلترا، وحاز أكبر شهادة في الاقتصاد، ومع ذلك لا يسير في حياته العملية وفق قانون الاقتصاد؛ فلا ينفعه علمه في حياته اليومية، وتطبق عليه قوانين الخيبة حتما رغم علمه. وقد لا يدرس الرجل الاقتصاد ولم يسمع بهذا الاسم مطلقا، ولكنه يسير بطبيعته وفق تعاليمه، فتطبق عليه قوانين النجاح رغم جهله بالعلم؛ والشأن في ذلك شأن كل القوانين الطبيعية؛ فمن أخذ سكرا على أنه سم لم يضره السكر؛ ومن أخذ سما على أنه سكر قضى عليه السم، ولم ينفع العلم ولم يضر الجهل؛ فالبركة وعدم البركة هي السير على قوانين الطبيعة أو عدم السير.

وعلى هذا الأساس مال الحكومة، قد يكون مباركا وقد يكون غير مبارك على هذا المعنى؛ فالحكومة التي تبعثر أموالها فيما لا يفيد، وتقدم الكمالي على الضروري، وتنفق الأموال الطائلة في فتح شارع للترف، وتغدق على المؤتمرات للشهرة، وتتلف الأموال الكثيرة في الإكثار من عدد الموظفين ورفع درجاتهم، وتنشئ المشروعات الكبيرة للفخفخة قبل أن تعد العدد لفلاحيها ليشربوا ماء نظيفا، وقبل أن تعد العدد لعمالها ليجدوا الكفاف، ميزانيتها لا بركة فيها، ومعنى خلوها من البركة عدم سيرها على قوانين الاقتصاد الطبيعية. وإذا رأينا أمة أخرى ميزانيتها أقل من الأولى وهي بها أسعد من الأولى كانت ميزانيتها «فيها البركة» بهذا المعنى.

وحينئذ يكون معنى البركة التوفيق في أن يسير المرء أو المرأة أو الحكومة حسب قوانين الاقتصاد.

والرجل ذو الذرية المباركة بركته عبارة عن أن أولاده ورثوا من آبائهم وأمهاتهم بذورا صالحة، ثم تربوا تربية صالحة، فكانوا في الحياة ناجحين موفقين، وهذا معنى البركة؛ فإذا هم ورثوا وراثة سيئة أو ربوا تربية فاسدة كانوا لا بركة فيهم، والذرية المباركة وغير المباركة خاضعة لسنة الله في خلقه وهي القوانين الطبيعية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٠٦