وهاهم في الأهلة الأخيرة ينتبهون من نوم طويل، فيدركون موقفهم ويألمون له، ويشعرون بالمرض بعد أن فقدوا الحس به، ويبحثون عن الدواء فيجدونه، ويحاولون أن يعودوا إلى مجدهم فيهتدون للطريق.
فعسى أن يكون هلال المحرم أسعد عليهم ممن سبقه، يزدادون فيه علما بإدراك موقفهم، ويزدادون همة في إصلاح ما ورثوا من آبائهم، ويزدادون خلقا فيوحدون كلمتهم ويعلو شأنهم؛ وتأخذهم العزة فيأبون إلا أن يقفوا مع أرقى الأمم على قدم المساواة، فيتحررون كما تحرروا، ويبنون كما بنوا؛ وإذا سيموا خسفا قالوا: «لا» بملء فيهم؛ ثم تدوي كلمتهم في العالم كما دوت من قبل، ويعتز بهم العلم والخلق والحق كما اعتزت بهم من قبل.
حقق الله الأمل.
| البركة
من ألذ الأشياء للباحث اللغوي مراقبته للكلمات وتطور معانيها؛ فالكلمة يبدأ معناها ماديا ساذجا، ثم يأخذ في النمو والتطور على اختلاف العصور وتقدم الزمان؛ حتى ليعجب الناظر إذا هو وازن بين المعنى الخير للكلمة والمعنى الأول لها، لبعد العلاقة بينهما، وكلما تجلت لي هذه الفكرة عجبت من الجامدين الذين يتخذون شعارهم «ليس في القاموس». كأنهم يريدون أن تقف اللغة على ما كانت عليه في القرون الأولى، يوم دونت المعاجم ، ويريدون أن يتجاهلوا فعل الزمان في كل شيء، وفي اللغة نفسها، من أثر دائم وتطور مستمر. ولا زلت كلما كشفت عن مادة في اللغة الإنجليزية في معجم أكسفورد، وأراه يؤرخ الاستعمالات المختلفة للكلمة الواحدة، فيقول: إنها استعملت في معنى كذا سنة كذا، ثم استعملت في معنى كذا سنة كذا، أتمنى أمنيتين في اللغة العربية: إحداهما أن يؤمن الناس معي أن اللغة في تطور مستمر، وأن من الإجرام أن يريد اللغويون قصر معاني الكلمات على ما جاء في معاجم اللغة القديمة، متناسين كل عمل الأجيال التي أتت بعدها. وثانيتهما أن ينشط علماؤنا فيستطيعوا أن يخرجوا لنا معجما مؤرخا تدون فيه كل كلمة، ومنشأ استعمالها، وتطور معانيها مع الزمان إلى الآن. •••
خطر لي هذا الخاطر وأنا أبحث في كلمة «البركة» من أين أتت، وكيف وصلت إلى ما نستعمله اليوم، فنقول: «رجل مبارك» و«المرتب ليس فيه بركة» و«ذرية مباركة» و«ذرية غير مباركة» و«زمنه مبارك» و«عمره لا بركة فيه» إلخ ... وهكذا.
وقد عجبت إذ رأيت بعض علماء اللغة يعودون بهذه المعاني كلها إلى المعنى الأساسي وهو «برك البعير إذا أناخ في موضع فلزمه»، ثم نقله العرب من هذا المعنى إلى معنى النمو والزيادة، أو معنى السعادة، كأن البعير إذا أناخ استراح ونما وسعد. واشتقوا من هذا المعنى بارك الله الشيء، وبارك فيه، وبارك عليه، أي: أكثر خيره وأسعد به، ومنه قالوا: طعام مبارك، ومال مبارك، ورجل مبارك، وجاء في القرآن الكريم:
إنا أنزلناه في ليلة مباركة
إلخ. •••
قفز ذهني بعد ذلك من البحث اللغوي إلى البحث الاجتماعي أو البحث النظري: ما معنى «البركة»؟
يرى الناس رجلا يتقاضى مئة جنيه في الشهر، وليس له إلا ولد أو ولدان، ومع ذلك مرتبه لا يكفيه، ويستدين، وتضطرب ماليته، فيقولون: «إن مرتبه لا بركة فيه». ويرون آخر مرتبه ثمانية جنيهات أو عشرة، ومعه أربعة أولاد أو خمسة، وهو يعيش عيشة حسنة بمرتبه الضئيل، لا يستدين، ولا تضطرب ماليته، فيقولون: «إن مرتبه فيه البركة ».
ويرون رجلين في يد كل منهما جنيه، فأما أحدهما فخرج من بيته وعاد وليس معه شيء، وذهب جنيهه في أشياء تافهة لا قيمة لها، فيقولون: «إن جنيهه لم يكن فيه بركة». وأما الآخر فاشترى أشياء وأشياء نافعة لنفسه ولبيته، وعاد معه بقية من جنيهه، فيقولون: «إن في جنيهه بركة».
ويوم كل الناس أربع وعشرون ساعة، وشهرهم ثلاثون يوما، وأيام سنتهم متساوية؛ ومع هذا تجد الفروق بينهم في استخدام الزمن واسعة؛ فهذا تمر عليه الأيام والشهور والسنون وليس له إنتاج علمي ولا أدبي ولا مالي ولا صناعي؛ وهذا دائم الإنتاج كثيره، كأن أيامه سنون، وكأن عمره مئة عمر، فيقولون: «إن عمر الأول غير مبارك، وعمر الثاني مبارك».